أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

22‏/06‏/2017

أحمد المخيني: ينبغي تعديل النظام الأساسي الآن بينما السلطان قابوس بين ظهرانينا - محمد الفزاري

الأوضاع الجيوسياسية في منطقة الخليج كانت، وما زالت، غير مستقرة حتى بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي أنيط عليه تقريب وتوحيد الأشقاء الخليجين سياسيا واقتصاديا وعسكريا وفي المجالات الخدمية الأخرى. بيد أن بعد موت معظم الآباء المؤسسين لهذا المجلس بدأت تتصدع أركانه وتظهر للعلن، وزادت المؤامرات والخلافات بين الأشقاء حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم ليختفي صوت المجلس وأمينه العام ويتم تجاوز أهم مواثيقه في الأزمة القطرية الخليجية. مجلة مواطن تجري حوارا مع الباحث أحمد المخيني، الاستشاري المستقل في السياسات العامة، حول قضايا خليجية وعمانية عدة.


– حوار: محمد الفزاري


  • بنت عمان علاقاتها الحديثة مع دول الجوار على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
  • من الخطأ تجاهل إيران في أي منظومة تشمل المنطقة لا سيما المنظومة الأمنية والاستراتيجية.
  • المحللون السياسيون القريبون من الوضع في المنطقة يدركون أن إيران تسعى إلى نيل الاعتراف من قبل دول المنطقة.
  • أنا من المشجعين لموقف عمان من حرب اليمن، وأحمد الله أن عمان نأت بنفسها وشعبها عن هذه الترهات.
  • يبدو لي أن التحالف العسكري الإسلامي للاستهلاك الإعلامي أكثر منه لمحاربة الإرهاب حقيقة.
  • على دول الخليج أن تتخلى عن المركزية والفوقية إن أرادت البقاء اقتصاديا وتتعاون فيما بينها بشكل تكاملي حقيقي لا تنافسي مبيد.
  • الإخفاقات في سوريا واليمن وليبيا أوجدت بيئة مناسبة لترويج فكرة اصبر على مجنونك حتى لا يأتيك من هو أجن منه“.
  • الإصلاح في عالمنا يتطلب تحولا مفاهيميا وهيكليا في الدولة وعلاقتها بالإنسان.
  • من أهم المطالب الإصلاحية التي أضحت ملحة الآن هو تعيين رئيس وزراء يخفف العبء عن رئيس الدولة ويسمح بمساءلة الحكومة ومحاسبتها.
  • نشطاء الحريات والمجتمع المدني في عمان ودول الخليج محدودو الحركة ومقيدون بفعل الأطر القانونية من جهة، وبفعل الوضع الأمني المتهالك.
  • المشهد السياسي لن يبقى على حاله، فالسلطات التي تتمركز حاليا في يد السلطان قابوس ستتفرق.
  • إذا واصلت عمان نفس النهج التنموي وآليات صنع القرار، فسننقرض وتسبقنا الأمم.



  1. كما نعلم، فإنك متخصص في السياسات العامات، ولهذا نود أن نسمع تقييمك حول عدة مواضيع خليجية تشغل الإعلام منذ سنوات.. ونبدأ بالعلاقات المتشابكة بين الأطراف الثلاثة التالية: إيران وعمان وباقي دول الخليج.. أين مصلحة عمان تكمن؟
المصلحة بطبيعتها ليست ثابتة، ولا ينبغي التمترس وراء أيدولوجيات فارغة أثبتت التجارب الإنسانية، لا سيما الحديثة، سرعة التراجع عنها بدافع المصلحة، وبالتالي يجب الحفاظ على جميع الجسور والقنوات التي تربط عمان بجيرانها المباشرين وغير المباشرين. وجدير بالذكر أن الاستعداء والمجاهرة بالعداء لم يكونا أبدا مفيدين في أي من العلاقات الدولية القائمة على فكرة سيادة الدولة، والمصلحة المشتركة، ما لم تكن هذه المجاهرة تكتيكا تحضيريا أو خطوة استباقية، أو أنه معد على سبيل الإلهاء أو الاستهلاك الموجه لفئة، حفاظا على الشرعية أو الولاء، ولكن ما يدور خلف الكواليس مختلف تماما.  إن السياسة عموما والخارجية خصوصا تأخذ بعين الاعتبار الخطوتين التاليتين على الأقل لا الخطوة الأولى فقط، كما تأخذ الوجهة الأخيرة وكيف السبيل إليها.
لقد بنت عمان علاقاتها الحديثة مع دول الجوار على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، ما لم يطلب منها وساطة. ومن هنا انطلقت السلطنة أولا في ترسيم الحدود مع جيرانها، ومن بعد حماية هذه الحدود والعمل ضمن أطرها، واحترام سيادة كل دولة وخياراتها.
ومن الخطأ تجاهل إيران في أي منظومة تشمل المنطقة لا سيما المنظومة الأمنية والاستراتيجية، فهي دولة ذات ثقل عسكري وبعد جيواستراتيجي يربط منطقتنا مع دول مؤثرة في قارة آسيا. كما أنه من الحصافة إن علمت أن جارك قد يضمر لك شرا أو أن بقدرته إحداث خلل ألا تستعديه وتبعده، بل تحاوره وتقربه لتعرفه عن قرب، ولتوجد متكآت للضغط إن أضحى ذلك ضروريا.
ومن الخطأ أيضا افتراض سوء النية أو افتعال شقاق بين إيران ودول الخليج الأخرى، وهو شقاق تروج له دول من خارج المنطقة لا تستقيم مصلحتها الآن أو أيدولوجيتها مع إيران، وهي مستعدة لأن تتخلى عن المنطقة بأسرها إذا ما غيرت إيران مسارها أو تمكن الطرفان من الاتفاق علينا. وحيث إن هذه الدول الخارجية لا تود أن تدخل في صدام مباشر هي مدركة أنها ستخسره، تقوم بحثّ دول المنطقة على استقبال المدفع مع آمال ووعود وكلام معسول.
المحللون السياسيون القريبون من الوضع في المنطقة يدركون أن إيران تسعى إلى نيل الاعتراف من قبل دول المنطقة بأهميتها وأن تتولى دورا استراتيجيا وأمنيا، أي لا تغيب تماما عن لوحة الشطرنج التي تتلاعب بمصائر دولنا، وما إن تشرك إيران بطريقة أو أخرى في وضع سياسة المنطقة سيتغير الخطاب المستخدم.
في السياسة، لا يوجد صديق دائم، بل مصلحة دائمة. ومما أثر عن  الخليفة الراشد الرابع الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-: “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما.”

  1. ما هو تقييمك لموقف عمان من التحالف الخليجي في حربها على اليمن، والتحالف العسكري الإسلامي؟
أنا من المشجعين لموقف عمان من حرب اليمن، وأحمد الله أن عمان نأت بنفسها وشعبها عن هذه الترهات. أرجو أن يستحضر الجميع أننا في القرن الواحد والعشرين، ولسنا في القرون الوسطى، وبذا يجب علينا أن نستخدم وسائل أقرب إلى هذا العصر. نحن لسنا بحاجة إلى حرب في اليمن ولا في المنطقة، بل إلى حلول دبلوماسية تعتمد على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
أما التحاف العسكري الإسلامي ضد الإرهاب، فلدي شكوك كثيرة بشأنه وفعاليته، فهو لا يعالج جذر المشكلة بل يحاول أن يعالج الأعراض بوضع ضمادات، ولا يبدو واضحا لي ماهية عملياته وتوجهاته، ويبدو لي أنه للاستهلاك الإعلامي أكثر منه لمحاربة الإرهاب والتطرف حقيقة. وما أذهلني في الحقيقة هو موافقة السلطنة المتأخرة على الانضمام إلى هذا التحالف، وأحسبه تم ضمن حسابات معقدة، إلا أنها في مجملها تسعى إلى موازنة المصالح ودرء المفاسد، وإلى توضيح صفاء النية وحسن الجوار للأشقاء في دول الخليج.

  1. حسب رأيك من هو / هم اللاعب أو اللاعبون الحقيقي في منطقة الخليج؟
في تقديري دول الخليج جميعها تساهم في لعبة السياسة، إلا أن هناك نقاط قوى اقتصادية ممثلة في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر تحاول أن توجد تمثلات عسكرية وأمنية واستراتيجية، وإن كانت غير متوازنة. أما سلطنة عمان ودولة الكويت فتحاولان أن تبتعدا عن الاستعراض المسرحي وأن تركزا على الشأن الداخلي لهما، وأن تقدما لدول الجوار العون والمساعدة في حدود الممكن. وفي أكثر من موضع طرح سؤال حول ما إذا كانت عمان ترغب في لعب دور أكبر في المنطقة والعالم، والجواب كان دائما لا، وذلك انطلاقا من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشوؤن الداخلية للغير.
إلا أنه مما ينبغي استحضاره دائما أن المنطقة هي قطعة شطرنج يتناوب عليها اللاعبون الخارجيون من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين. أما الهند فلم تحدد بعد موقفها من ماهية وتوقيت اللعب المناسب. بالإضافة إلى ما سبق فهناك عدد كبير من المراقبين للوضع في المنطقة، وينتظرون الوقت المناسب أو الدعوة للتدخل، وكل ذلك من منظور المصلحة.

  1. هل نضوب النفط أو تقليل الاعتماد عليه كمصدر للطاقة سيلغي أهمية هذه الدول أم أن بعضها بإمكانه الحفاظ على أهميته من نواحي أخرى كأهميته الجغرافية أو اللوجستية؟
التحدي الماثل أمام دول الخليج هي أن اقتصادياتها غير حقيقية ولا تقوم بإنتاج حقيقي، ولا يوجد تراكم حقيقي للثروات والطاقات التي يمكن أن يعاد إنتاجها أو تتحول إلى عميات اقتصادية. أولاً، هي معتمدة أساسا على سلعة تستخرج وتباع، حتى القيمة المضافة الممكن إحداثها محدودة جدا بفعل ضعف البنية الاقتصادية، وبفعل تداخل دور الدولة التنظيمي والرقابي مع الأدوار الاقتصادية التي ينبغي القيام بها من قبل قطاع خاص حقيقي. وثانيا، معظم الدخل يستنفد في التحويلات الخارجية أو استهلاك دون عائد حقيقي، وثالثا: بسبب هذه الأمرين فالاقتصاد معتمد على الحكومة، والتي لا ينبغي أن تشتغل بالاقتصاد والتجارة.
هذا السؤال بدأ يؤرق بعض دول الخليج قبل حوالي 3 أو 5 سنوات، وبدأت تعمل من أجل إيجاد مرتكزات مستدامة لأهميتها أو موقعها على الخارطة العالمية. بعض دول الخليج ترتبط باتفاقيات عسكرية وأمنية مع دول كبرى، لكن ليس واضحا إذا كانت هذه الاتفاقيات قابلة للاستدامة لأسباب مادية ولوجستية أيضا.
معظم دول الخليج، مع اختلاف قدراتها، تستثمر مدخراتها بشكل مدروس واستراتيجي في دول أوروبا وآسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والبعض توجه إلى القارة الواعدة (أفريقيا) بشكل مكثف. من ناحية أخرى أوجدت دول كالإمارات العربية المتحدة (لا سيما دبي) لنفسها موطئا في صناعة المستقبل وفي إيجاد موارد دخل بديلة، وفي إيجاد شركات عالمية تقوم بإدارة موانئ وأصول خارج الإمارات، مكونة دائرة واسعة من التأثير، وبالتالي الأهمية.  وتعمل دول أخرى مثل السلطنة والسعودية على أن تكون مصدرا للطاقة النظيفة والمتجددة. تشير الإسقاطات المستقبلية أن العالم بحلول 2030 لن يكون قادرا على إنتاج الطاقة التي يحتاجها، مع العلم أنه بحلول عام 2023 ستمثل الطاقة البديلة والمتجددة حوالي 60% من الطاقة المستخدمة في العالم. الوقت لم يفت بعد وأمام دول الخليج وشعوبها إن تعاونوا جميعا فرصة لإحداث تحول اقتصادي في بنيتها وتغير جذري في آلياتها، ولا أعني هنا الحكم الوراثي بالضرورة، فهناك توافق بين المحللين أن أنظمة الحكم هذه منحت قدرا من الاستقرار والاستمرارية ولا ينبغي التضحية بها فقط لمجرد التغيير.
التحدي الحقيقي الذي يواجه دول المنطقة والذي سيؤثر على استدامة أهميتها أو استمرارية فعاليتها وكفاءة إدارتها هو قدرتها على التعاون فيما بينها بشكل تكاملي حقيقي لا تنافسي مبيد كما هي الحال عليه الآن. على هذه الدول، إن أرادت البقاء اقتصاديا، أن تتخلى عن المركزية والفوقية التي تحلم بها كل دولة، وعليها أن تحدد الميزة النسبية لكل دولة وتدفع جميعها بهذه الدولة إلى التفوق عالميا، لأن الخير إن جاء إلى دولة ما من دول الخليج فسيعم، وإن أصابها شر فسيعم، فدول الخليج مكونات متداخلة لنظم اقتصادية واجتماعية وثقافية بالغة التعقيد تغطي المنطقة ككل، وما يحدث الآن أن التقسيمات الإدارية الحالية وانتشار مفهوم ضيق للسيادة بالإضافة إلى نزعات عاطفية وسياسية مما يمنع هذه الدول حقيقة من التكامل. هذه ليست دعوة لتشكيل اتحاد ولكن إلى تعاون وتكامل يعظّم من التجارة البينية والتبادل المعرفي دون خوف أو توجس أو تعقيدات، لأن هذين المسارين ييسران الطريق إلى تكامل أفضل بمرور الوقت، كما تشير تجارب التكتلات الاقتصادية. كما أن هذه ليست دعوة للتخلص من المصالح الوطنية لكل دولة، فهذا غير منطقي وغير عملي، ولكنها دعوة لتغيير الأولويات، ولدحض توجهات الهيمنة الاقتصادية والجغرافية، سعيا وراء تكتل اقتصادي يحترم كل عضو فيه العضو الآخر، ويقوم كل عضو فيه بدور محدد وواضح على خارطة طريق إلى وجهة محددة وواضحة للجميع ومتفق عليها.

  1. هل هناك فعلاً، كما يروّج البعض، مخططات لإعادة دمج أو تقسيم دول المنطقة.. وماذا عن الخليج العربي؟
لست ممن يعلمون الغيب ولا من الذين يرسمون الخارطات السياسية للدول، وإن كنت لا أستبعد ما يقال، لكني لا أعلم عن هذه شيئا. ديدني أن أعمل مع الحقائق الممكن استقراؤها على أرض الواقع، أما التخمينات والحسابات فتلك ضمن استراتيجية اللعبة التي لا أملك مفاتيح يمكن أن تساعدني في رسم سيناريوهاتها المقبلة.

  1. مؤخر بدأت تظهر وبشكل واضح وصريح حرب إعلامية طاحنة بين السعودية والإمارات بسبب خلافهم حول مستقبل اليمن.. لكن ما حدث مؤخرا بين قطر من جهة والإعلام السعودي والإماراتي من جهة أخرى كانت صدمة كبيرة للمتابع الخليجي والعربي.. من وجهة نظرك ما الذي يحدث ومن المستفيد؟
ما أعلمه حقيقة أن المتضرر الحقيقي من أي شقاق فيما بين الأشقاء هم الأشقاء، وأعني هنا دول الخليج وشعوبها. وأرجو الرجوع إلى إجاباتي السابقة فهي توضح المنطلقات التي ينبغي أن تكون عليها العلاقات الدولية.

  1. هل ساهم الربيع العربي في فضح الأنظمة الدكتاتورية، وخلق جيل جديد يستطيع المطالبة بحقوقه أم أن ما حدث مثلا في سوريا واليمن وليبيا جعل الأجيال الحالية تكفر بفكرة الإصلاح وتفضل عليها الاستقرار ولو كان تحت سلطة دكتاتورية على حساب الحريات والإصلاح؟
لقد ساهم الربيع العربي في فضح الأنظمة والذهنيات في العالم العربي، ولا أخفي القول إنني في مرحلة ما بدأت أشكك في قابلية شعوبنا وثقافاتنا ببنيتها الحالية للتحول الديموقراطي كما نعرفه الآن، مما يستدعي اجتهادا أكثر لتحقيق النتائج المرجوة من النظام الديموقراطي المتعارف عليه ولكن بآليات وطنية منبثقة من واقع مجتمعاتنا وثقافاتنا إن أمكن.
الإخفاقات في سوريا واليمن وليبيا، والتشكيك في وطنية من شارك في الربيع العربي، والتراجع الأمني الكبير في العالم، والازمة الاقتصادية، كل ذلك أوجد بيئة مناسبة لترويج فكرة “اصبر على مجنونك حتى لا  يأتيك من هو أجن منه” أو “عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة.” إلا أن الإشكالية الكبرى في رأيي تتمثل في أمرين: الأول تقعيد الشاذ وتطبيعه، أي أن يصبح الأمر الشاذ عقلا ومنطقا وقانونا أمرا طبيعيا ويتحول إلى قاعدة للسلوك والتفكير. وتكمن خطورة هذا الأمر في تشكيل شخصية وطنية تعاني من فصام وتعزز من التنافر الإدراكي للفرد، وتكرس من التناشز المعرفي المؤسس للسلوكيات على الأصعدة العامة والشخصية والخاصة والفردية والجمعية، مما يفضي إلى حالة متواصلة من عدم الرضا والسلبية دون إدراك سبب معين لهذه الحالة. والأمر الثاني استمرار الهوة بين الأجيال (العمرية والتقنية) والذهنيات؛ فتضييق الخناق على الحريات والتشكيك في وطنية أو “ولاء” من يعبر عن رأيه دفع بالكثيرين إلى ما تحت الأرض، وأوجد نماذج تشرعن ما تقوم به الحكومات في العالم العربي من تواصل جيلي، وتخلق إحساسا كاذبا بالطمأنينة والاستقرار للأنظمة وتخلط ما بين الاستكانة المؤقتة ورضا الشعب.
الإصلاح في عالمنا يتطلب تحولا مفاهيميا وهيكليا في الدولة وعلاقتها بالإنسان، وهذا بطبيعة الحال سيقتضي تضحيات يتورع عن الإقبال عليها الكثير لأنهم غير متأكدين من أن هذه التضحيات سوف تجدي نفعا، فهي بحاجة إلى توافر زخم متنام من العمل الإصلاحي الفكري والاقتصادي والاجتماعي يوفر لها محركا نفاثا.

  1. كيف ترى حراك نشطاء الحريات والمجتمع المدني في عمان والخليج، وما تقييمك للحراك الشبابي وحالة المجتمع المدني؟
نشطاء الحريات والمجتمع المدني في عمان ودول الخليج محدودو الحركة ومقيدون بفعل الأطر القانونية من جهة، وبفعل الوضع الأمني المتهالك في المنطقة ككل من جهة أخرى والقلق من تغيير أي استقرار ماثل ولو كان مؤقتا، ومن جهة ثالثة وجود ضبابية في دور المجتمع المدني وخلط بين العمل الحقوقي والعمل السياسي.
الحراك الشبابي مطرد النمو ولكنه لا يراوح العمل الخيري والعمل التطوعي، وهو أمر مهم وضروري وإن كان غير كافٍ للدفع بالتنمية والعدالة الاجتماعية قدما. ما نحن بحاجة إليه الآن بالإضافة إلى جميع ما يتم تقديمه من عمل مدني من قبل الشباب هو جهد تنويري يستهدف توعية الإنسان بذاته وحقوقه وواجباته، وإلى إثراء الإنسان معرفة ومهارة، وتوسيع مداركه ليحقق ذاته.

  1. هل تعتقد بأن تقارير المنظمات العالمية جميعها منصفة ودقيقة؟ أم أن بعضها يحابي بعض الدول في المنطقة على حساب اخرى كما يتم الإشارة لذلك أحيانًا؟
كوني عضوا في اللجنة الاستشارية لإحدى هذه المنظمات يجعل شهادتي مجروحة. إلا أنه يمكن القول إن هذه التقارير تنقل أيدولوجية قد تختلف بشأنه الدولة، وعند اختلاف الأيدولوجيات ما يكون مباحا وطبيعيا لدى شخص يبدو محرما وإجراميا مع شخص آخر. ومن هنا أنا أشجع الدول على وعي الأطر المفاهيمية والمرجعيات القانونية والحقوقية التي تستند عليها هذه التقارير. بالإضافة إلى ما سبق فإن محتوى هذه التقارير يعتمد على نوعية وكمية البيانات المتاحة ومدى تفاعل الجهات الرسمية في هذه الدول مع تلك المنظمات، والقاعدة العامة أن تجاهل الشيء لا يجعله يذهب أو ينتهي أثره، بل ينبغي التفاعل واستغلال الفرصة لإحداث التغيير المطلوب ولو بعد حين.

  1. ننتقل إلى الوضع الداخلي في عمان.. ما أهم المطالب الإصلاحية التي تود أن تراها في عهد السلطان قابوس ولماذا؟
من أهم المطالب الإصلاحية التي أضحت ملحة الآن هو تعيين رئيس وزراء يخفف العبء عن رئيس الدولة ويسمح بمساءلة الحكومة ومحاسبتها، إلا أن الغرض الأهم من تعيين رئيس وزراء هو لملمة شتات الحكومة. مما لا يختلف عليه اثنان أن الأوضاع الاقتصادية الحرجة التي تمر بها السلطنة الآن من جراء انخفاض أسعار النفط العالمية، وسياسات اقتصادية لم تحقق أهدافها المرسومة، أظهرت أن الحكومة لا تعمل كفريق واحد، وأن هناك لوما متبادلا وتناكصا عن تحمل المسؤولية تضامنيا، رغم أن هذه المسؤولية منصوص عليها في النظام الأساسي للدولة. إن الشعب لا يبحث عن كبش فداء ولكن عن حل، يبحث عن شخصية تتحدث إليه وتبث فيه الأمل وتستنهض فيه الهمم، منصب يخبره بما يجري ويوضح له الأمور، مما سيشجع كل من الأفراد والمؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع المدني أن يدلو بدلوه للخروج من هذه الأوضاع ولنحقق تنمية مستدامة. إن هذه الأمور جميعها ليست من مسؤوليات رئيس الدولة، ولكن من مسؤوليات رئيس الوزراء.
إن ما نحتاجه الآن هو رئيس وزراء ينزل إلى الميدان ويراقب الأوضاع عن كثب ويتخذ قرارات سريعة يتحمل مسؤوليات نجاحها وفشلها.
ومن المطالب الإصلاحية الأخرى ما ذكرته آنفا بخصوص تعديل النظام الأساسي للدولة. وأخيرا تفعيل الهيئة الدستورية في السلطة القضائية أو إنشاء محكمة دستورية. إن ذلك من شأنه أن يسهم في تطوير المؤسسات وتحديد الأدوار وتفعيل الرقابة المتبادلة بين أجهزة الدولة المختلفة وتحقيق قدر عال من الطمأنينة والثقة.

  1. ما هي توقعاتك حول خليفة السلطان ولماذا؟
من الصعب التكهن بخليفة السلطان، فهناك أشخاص كثر يتجاوز عددهم 80 شخصا ممن يحق لهم قانونا تولي هذا المنصب، لكني أستطيع القول إن هناك 7 أو 8 أشخاص من بين هؤلاء الذين يحوزون حظا عاليا في الوصول إلى هذا المنصب، وذلك بناء على معايير عملت عليها خلال بحثي في هذا الموضوع. أما ما يمكن القول به بكل ثقة أن المشهد السياسي لن يبقى على حاله، فالسلطات التي تتمركز حاليا في يد صاحب الجلالة السلطان قابوس ستتفرق، فعلى سبيل المثال من المتوقع استحداث مناصب جديدة لتترجم هذه السلطات وليشغلها أشخاص ممن يتنافسون على العرش، كما يمكن القول إن توزيع الثقل السياسي بين الأسرة الحاكمة والأسرة المالكة سيبدو أكثر وضوحا، وإن كانت كفة الأولى راجحة، ومما يزيد في هذا تداخل هاتين الأسرتين بفعل الخؤولة والنسب والمصالح التجارية.

  1. ما رأيك حول آلية انتقال الحكم في عمان.. إيجابياتها وسلبياتها؟
في ظل تاريخ الأسرتين الحاكمة والمالكة الدموي، يبدو لي أن هذه الآلية مناسبة، وهي قابلة للترويج من منظور ديني، وكذلك من منظور براغماتي ومصلحي. أما المنظور الديني فهو الشورى والتوافق كتجسيد لدور الأمة في اختيار قائدها مع وجود الوصية كصمام أمان، وهذا أمر كان معمولا به أيضا في الأسر الصينية الحاكمة القديمة. أما المنظور البراغماتي المصلحي، فإن المتنافسين إن تساوت فرصهم في الفوز فهم أمام خيارين: الأول ألا يتفقوا وبذا يتطلب الأمر أن يرجعوا إلى الوصية التي قد تنصّب شخصا لا يعرفونه ولا يملكون ورقة ضغط عليه، والخيار الثاني أن يتنازلوا قليلا عن حلم امتلاك فرد منهم كامل السلطة مقابل شرعية مستندة على تحالفات وتوازنات تعطي كلا منهم ورقة للتفاوض، ومن هنا لابد وأن يتعاونوا ويتفقوا على شخص. ومن هنا أيضا فهي في تقديري قد توصل إلى توافق وتحقيق قدر من الشرعية للسلطان القادم مما سيحفظ لنظام الحكم استقراره.
إلا أننا لا يمكن أن نغفل سلبية هذا الآلية. ففي نظام تتمركز فيه جميع الصلاحيات والسلطات في يد رئيس الدولة، مع نظام أساسي للدولة يسهل تغييره أو إلغاؤه بدون وجود مجلس يعنى به أو جهة مكلفة بحمايته، فإن هذه اللحمة الوطنية وهذا الأمن والاستقرار والعلاقة الأبوية المتجذرة بين “صاحب الجلالة السلطان قابوس” والشعب كلها قابل للزوال، إذا ما تصرف السلطان القادم على نهج مخالف لحكمة “صاحب الجلالة السلطان قابوس” في تعاطيه مع الأمور. ومن هنا ينبغي تعديل النظام الأساسي للدولة الآن بينما السلطان قابوس بين ظهرانينا، بحيث يوضح شكل الدولة والمشهد السياسي وعلاقة المؤسسات فيما بينها وتوازناتها في مرحلة ما بعد وفاته أو عند شغور المنصب، بدل تركها للأهواء والظروف، وبحيث أيضا تتغير آلية تعديل النظام الأساسي للدولة المنصوص عليها حاليا وهي بموجب مرسوم سلطاني إلى أن يكون تعديله بموجب استفتاء شعبي أو تصويت مجلس عمان أو الاثنين معا، مما سيضمن استقرار الحقوق المكتسبة إلى الآن ويوجد قدر من الاطمئنان للشعب. بهذا النوع من التعديلات سيقدم “صاحب الجلالة السلطان قابوس” هدية خالدة لعمان الحديثة. إن التعديلات المقترحة لا تقيد “صاحب الجلالة السلطان قابوس”، بل يمكن استحداث فصول وتغيير الصياغات في النظام الأساسي لتحفظ للسلطان قابوس مكانته حيا وميتا كمؤسس للدولة العمانية الحديثة، وتوضح خارطة الطريق لاستقرار وأمن مستدامين.

  1. ما توقعاتك لأهم الخطوات التي سيقوم بها السلطان القادم.. وما أهم الإصلاحات التي يجب أن يقوم بها ليضمن استقرار البلد؟
على السلطان القادم كخطوة استراتيجية القيام بأمرين؛ الأمر الأول توزيع الصلاحيات والسلطات المتمركزة حاليا في يد “صاحب الجلالة السلطان قابوس”، وتشجيع المؤسسات القضائية والتشريعية والرقابية لتقوم بعملها دون تدخلات، والأمر الثاني هو توسيع المشاركة الحقيقية للشعب في صناعة القرارات الوطنية. وهناك خطوات كثيرة يمكن أن تتخذ في هذا الشأن لا يسعني الخوض فيها بتفصيل، ولكن على سبيل المثال لا الحصر تفويض قدر أكبر من الصلاحيات التخطيطية والتنفيذية للمجالس البلدية، وتشجيع تأسيس بيوت خبرة متخصصة، ونقل مهام الإشراف على المهن إلى نقابات متخصصة، وتمكين مجلس الشورى من محاسبة الحكومة فعليا، مما يتطلب تعيين رئيس وزراء ليقود الحكومة بدلا عن  رئيس الدولة المحصن بموجب النظام الأساسي للدولة، وغير ذلك من الخطوات.
ما نحن بجاجة إليه حقيقة هو الاستثمار في المعرفة الإنسانية، وفصل الإدارة عن الأفراد ونقلها إلى مؤسسات تراقب بعضها بعضا يشفافية ووضوح، وبناء اقتصاد حقيقي.

  1. أين ترى عمان بعد السلطان القابوس، محليا، خليجيا، عربيا، بعد 5 سنوات وبعد 20 سنة؟
عالمنا متغير بشكل سريع جدا من الصعب تخيله. إن المطلع على سيناريوهات المستقبل ليدرك أننا إذا واصلنا نفس هذا النهج التنموي وآليات صنع القرار، فسننقرض وتسبقنا الأمم. إلا أنه يدفعني إلى الأمل والتفاؤل ثقتي بأن الشعب العماني شعب عظيم عانى من ويلات الزمان واستطاع بفضل الله وبفضل إيمانه بقدرات أبنائه وبصبره أن يتخطاها ويصل إلى مراحل متقدمة من النهضة والإنسانية. هذه الثقافة الراسبة هي التي تعطيني الأمل بأن القادم أفضل.



13‏/06‏/2017

خالد إبراهيم: ليس حقوقيا من ينظر بعين مفتوحة لبعض الانتهاكات في بلد ما ويغلقها لانتهاكات أخرى في بلد آخر - محمد الفزاري

تلعب المنظمات الحقوقية دورا مهما في حماية وترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان في دول العالم عن طريق حملات التوعية أو عن طريق التنديد والتوثيق لحالات الانتهاك. وفي دول العالم المتقدم أصبح دور هذه المؤسسات فاعلا في المجتمع المدني وجزءا لا يمكن أن تُقبل محاربته والتضييق عليه سواء على المستوى الشعبي أو الحكومي؛ إيمانا بدورها الفاعل والمهم في تعزيز وحماية مبادئ حقوق الإنسان. بيد أن وجود مثل هكذا منظمات في الدول غير الديموقراطية ما زال غير متقبل وينظر له بنظرة الريبة والعداء. وللتعرف على الوضع الحقوقي الخليجي أكثر، مجلة مواطن تجري حوارا مع الناشط العراقي (الخليجي)، مدير مركز الخليج لحقوق الإنسان، خالد إبراهيم.


– حوار: محمد الفزاري

  • ليس حقوقيا من ينظر بعين مفتوحة لبعض الانتهاكات في بلد ما ويغلقها لانتهاكات أخرى في بلد آخر.
  • الحكومات الخليجية تنظر للمنظمات الحقوقية كمنظمات خارجة عن القانون ولمدافعي حقوق الإنسان كأعداء في الوقت الذي يجب أن نكون فيه نحن شركاءهم بناء المجتمع.
  • وبسبب القمع والترهيب، اضطر الكثير من النشطاء لمغادرة بلدانهم إلى الغرب وهذا بدوره سيؤدي إلى إضعاف حركة حقوق الإنسان في المنطقة برمتها.
  • عندما يكون خصمك هو الحكم فلابد أن تكون تقاريره هي مجرد من باب ذر الرماد في العيون؛  فلا تنصف ضحية ولا تعين مظلوما.
  • قامت الأجهزة الأمنية بزرع جواسيسها وشراء البرامجيات المتطورة لمراقبة الحراك الشعبي عبر الإنترنت.


  1. من هو الناشط خالد إبراهيم؟ ولماذا قرر دخول هذا الطريق المتعب جدا في ظل الظروف غير الديموقراطية التي تتصف بها الدول العربية؟
مدافع عن حقوق الإنسان من العراق، كان سعيداً بتدريس الفيزياء والحاسوب لطلبته، لكن الأحداث الماسأوية في العراق والمنطقة العربية والمستمرة والمتسمة غالبا بمصادرة الحقوق المدنية والإنسانية للمواطنين، جعلته يتجه للعمل في مجال حقوق الإنسان منذ بداية التسعينات ولحد الآن. لقد أمضى أكثر من عشر سنين في العمل مع فرونت لاين ديفندرز كموظف مؤسس، وبعدها في سنة 2011 انتقل للعمل لمركز الخليج لحقوق الإنسان ولا زال.

  1. يعد حاليا مركز الخليج لحقوق الإنسان من أبرز المنظمات الحقوقية الخليجية. حسب رأيك ما الذي يميز هذا المركز عن غيره من المؤسسات والمراكز الخليحية؟
مركز الخليج لحقوق الإنسان يتميز بالاستقلال التام والعمل الجاد غير المسيس من أجل  ترسيخ ودعم وحماية عمل المدافعين عن حقوق الإنسان في منطقتنا. وفي هذا فإننا لا نميز بين بلد وآخر ونرصد ونوثق الانتهاك أينما وقع ونعمل على إيقافه بكل الجهود. ليس حقوقيا من ينظر بعين مفتوحة لبعض الانتهاكات في بلد ما ويغلقها لانتهاكات أخرى في بلد آخر. سنستمر في بذل جهودنا الصادقة لدعم العمل الحقوقي في بلداننا.

  1. ما أهم المعوقات التي يواجهها مركز الخليج بشكل خاص، والعمل الحقوقي المؤسسي بشكل عام في الخليج العربي؟
المعوقات كثيرة وفي مقدمتها نظرة الحكومات لمنظمات حقوق الإنسان كمنظمات خارجة عن القانون ولمدافعي حقوق الإنسان كأعداء في الوقت الذي يجب أن نكون فيه نحن شركاءهم وفي طليعة الصفوف من أجل بناء مجتمع تسود فيه قيم المحبة والسلام والعدالة الاجتماعية والمساواة واحترام حقوق الإنسان.

  1. كيف ترى حراك نشطاء الحريات والمجتمع المدني في الخليج العربي، وما تقييمك للحراك الشبابي وحالة المجتمع المدني؟
الحقيقة أن المساحة اللازمة للعمل المدني والحقوقي غير متوفرة أساسا عندنا. وكذلك يواجه مدافعو حقوق الإنسان وناشطو الإنترنت الاستهداف المستمر؛ فهم يقبعون غالبا في السجون أو يواجهون الاعتقال، والاستجوابات المطولة، والمعاملة غير الإنسانية، والتعذيب، والمحاكمات الشكلية التي لا تتبع المعايير الدولية في المحاكمة العادلة والإجراءات القانونية و بتهمٍ باطلة تتعلق بعملهم المشروع والسلمي في مجال حقوق الإنسان. والجدير بالذكر أنه مؤخرا وبسبب القمع والترهيب اضطر الكثير من النشطاء لمغادرة بلدانهم إلى الغرب من أجل الحصول على حرياتهم وهذا بدوره سيؤدي إلى إضعاف حركة حقوق الإنسان في المنطقة برمتها.

  1. ما تقييمك لتقارير حقوق الانسان والحريات الإعلامية والثقافية الرسمية التي تصدرها دول منطقة الخليج؟
عندما يكون خصمك هو الحكم فلابد أن تكون تقاريره هي مجرد من  باب ذر الرماد في العيون؛  فلا تنصف ضحية ولاتعين مظلوما ولاتحق حقا ولاتقوم اعوجاجا.

  1. هل تعتقد بأن تقارير المنظمات العالمية جميعها منصفة ودقيقة؟ أم أن بعضها إيحابي بعض الدول في المنطقة على حساب اخرى كما يتم الإشارة لذلك أحيانًا؟
المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية المستقلة تاريخها معروف وتقاريرها تتسم بالشفافية والوضوح والدقة وأما الأخطاء فكلنا خطاؤون ولكن خير الخطائين هم التوابون اللذين يصححون أخطاءهم ويتعلمون منها الدروس المفيدة.

  1. هل ساهم الربيع العربي في فضح الأنظمة الدكتاتورية، وخلق جيل جديد يستطيع المطالبة بحقوقه أم أن ما حدث مثلا في سوريا واليمن وليبيا جعل الأجيال الحالية تكفر بفكرة الإصلاح وتفضل عليها الاستقرار ولو كان تحت سلطة دكتاتورية على حساب الحريات والإصلاح؟
ساهم الربيع العربي في وضع معظم مدافعي حقوق الإنسان البارزين في السجون؛ فالذي حصل أن الحكام في بلداننا بعد أن وجدوا سقوط عروشٍ بعد حركات شعبية سلمية أصدروا القوانين واتخذوا الإجراءات التي تشدد قبضتهم على سدة الحكم.  وهكذا فقد صادروا الرأي الآخر وقاموا بمحاكمة الناشطين باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب وقوانين الجريمة الإلكترونية. إن امتلاكهم للإعلام التقليدي دفع الناس إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا قامت الأجهزة الأمنية بزرع جواسيسها وشراء البرمجيات المتطورة لمراقبة الحراك الشعبي عبر الإنترنت. فلا غرابة أن تجد الناشطين في السجون بسبب رأي أو تغريدة نشروها على الفيسبوك أو تويتر.

  1. نذهب للحالة العراقية كونك مواطنا عراقيا قبل كل شيء، ما رأيك في العلاقة الإيرانية العراقية حاليا.. إيجابياتها وسلبياتها من حيث الواقع الحقوقي؟
كمواطن عراقي وخليجي يعيش في المنطقة، أؤمن بالحوار كسبيل لحل جميع المشكلات العالقة وكذلك أؤمن بالعلاقات التي تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاون في كل ما من شأنه رفاهية الشعوب ومستقبلها الزاهر واحترام حرياتها العامة.

  1. أين ترى المجتمع المدني الخليجي بعد عشر سنوات؟
أنا متفائل ولن أفقد الأمل مطلقا حيث إن أجمل ترنيمة لم نسمعها بعد، وإن غدنا سيكون أجمل وأحلى وستحترم الحريات العامة وينهض مجتمعنا المدني من كبوته الحالية ليكون شريكا أساسيا في التغيير القادم، والذي لا ريب فيه من أجل بناء مجتمعات مزدهرة تسودها مفاهيم العدالة والمساواة واحترام حقوق المواطنين المدنية والإنسانية.




على إدارة ترامب إعادة النظر في سلطنة عمان بسبب علاقتها الاستثنائية بإسرائيل - محمد الفزاري

نشر معهد “دول الخليج العربية في واشنطن” عبر موقعه تقريرا حول علاقة سلطنة عمان بمبادرات التطبيع الإسرائلية العربية كدعوة للرئيس الأمريكي ترامب باستغلال هذه العلاقات الاستثناية لتحقيق مسعاه في إعادة عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والتطبيع مع الدول العربية الأخرى. أعد التقرير الباحثان سيغورد نيوباور ويوئيل غوزانسكي. تنشر مواطن التقرير مترجما للعربية مع وضع بعض التعديلات التي لا تلغي ما احتواه من مضامين.



– ترجمة: محمد الفزاري





لماذا يتعين على إدارة ترامب مراجعة موقفها من سلطنة عمان

بعد الخطاب التاريخي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمام القمة الأمريكية العربية الإسلامية في الرياض، عقد ترامب محادثات ثنائية مع كل رؤساء مجلس التعاون الخليجي باستثناء نائب رئيس الوزراء العماني السيد فهد آل سعيد الذي ألغى اجتماعه في اللحظة الأخيرة دون أي تفسير معلن. ورغم أن سجل السياسة الخارجية متميز في عمان، حيث سهلت الاتصالات الأمريكية الإيرانية المبكرة التي أدت في النهاية إلى الاتفاق النووي، ومساهمة نشطة في عملية السلام في الشرق الأوسط، وتدعم مفاوضات السلام اليمنية التي ترعاها الأمم المتحدة مؤخرا، بيد أن خطاب الرئيس ترامب في القمة تجاهل عمان على الرغم من أنه شكر كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي على التزاماتها بمكافحة التطرف والجماعات الإرهابية الإقليمية.

في الواقع، قد يكون من شأن طبيعة مشاركة عمان في الجهود الرامية في نزع فتيل الصراعات الإقليمية دفع إدارة ترامب إلى النظر إلى عمان بحذر، نظرا لجهود واشنطن لاستعادة العلاقات الوثيقة مع المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق، فإن روابط عمان الثابتة مع كل من طهران والقيادة السياسية للمتمردين الحوثيين في اليمن -التي تقدرها بشكل واضح إدارة الرئيس السابق باراك أوباما- يمكن اعتبارها الآن سببا لإبقاء عمان بعيدة عن خيارات البيت الأبيض.

وهناك دليل آخر على أن العلاقة الأميركية العمانية قد تتجه للأسوأ، حيث ألغى وزير الخارجية ريكس تيلرسون اجتماعه في الرياض مع نظيره العماني يوسف بن علوي. هذا إلى جانب أن مخطط إدارة ترمب للموازنة للسنة المالية 2018 يشير إلى خفض 35 في المئة من المساعدة العسكرية / الأمنية السنوية المقدمة إلى عمان، انخفض من 5.4 مليون $ إلى 3.5 مليون $. وكذلك تقترح على واشنطن مراجعة نهجها تجاه مسقط.

سلطنة عمان حليف استراتيجي لأمريكيا منذ قرنين تقريبا، وكانت ثاني دولة عربية بعد المغرب تقيم علاقات دبلوماسية مع واشنطن في عام 1841. وعلاوة على ذلك، فإن سلطنة عمان هي واحدة من دولتين من دول مجلس التعاون الخليجي تتمتعان باتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. واستنادا إلى هذه الروابط التاريخية، تمكن السلطان قابوس بن سعيد، العاهل صاحب أطول فترة حكم في العالم العربي حاليا، عن طريق مهارته التي اكتسبها طوال 47 عاما من لعب دور وسيط إقليمي للمساعدة في نزع فتيل التوترات بين واشنطن وطهران، وفي الوقت نفسه ساهم بشكل فعال في الحوار الإسرائيلي العربي من خلال استضافة مركز أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه (MEDRC)، وهي منظمة مقرها مسقط مكرسة لتبادل الخبرات الإسرائيلية في تقنيات تحلية المياه وإمدادات المياه العذبة النظيفة.

وبالنظر إلى أن ترامب قد تعهد لإعادة العلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي وتسريع عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين كجزء من جهد استراتيجي واضح لمواجهة نفوذ طهران الإقليمي المعادي، فإنه من المستغرب أيضا أن قابوس هو الزعيم الوحيد في مجلس التعاون الخليجي الذي لم يتصل ترامب به، لاسيما أن عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تتمتع بعلاقات مصالح عملية مع إيران وإسرائيل.

في السنوات الأخيرة، استخدمت عمان علاقاتها مع طهران والحوثيين في اليمن للإفراج عن ستة من المواطنين الأمريكيين الذين تم احتجازهم. هذه الجهود أكسبت عمان عبارات الشكر والثناء من الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما.

وقال ريتشارد شميرير السفير الأمريكي السابق لدى عمان “عمان تدرك أن الصراع الإسرائيلى الفلسطينى مصدر إزعاج للعلاقة بين الولايات المتحدة والعالم العربي ولكن وفقا لفلسفة قابوس للتعايش السلمي وحل النزاعات أراد أن يلعب دورا بناء”. وأضاف، أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم يكن قضية رئيسية على جدول الأعمال الأمريكي العماني الثنائي خلال فترة ولايته فى مسقط.

ومع ذلك، في عام 2010، أشادت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بمركز أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه (MEDRC) -وهي منظمة مقرها مسقط مكرسة لتبادل الخبرات الإسرائيلية في تقنيات تحلية المياه وإمدادات المياه العذبة النظيفة- بأنه “نموذج لصنع السلام في الشرق الأوسط”. وبعد ذلك بعام، اتصل أوباما شخصيا بقابوس ليطلب منه قيادة مبادرة النوايا الحسنة العربية -التطبيع- مع إسرائيل مقابل وقف الاستيطان.




تاريخ طويل في دعم السلام في الشرق الأوسط

وفي أعقاب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، كانت سلطنة عمان العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي الذي كان يتعاون باستمرار مع إسرائيل من خلال عدد من المبادرات الدبلوماسية غير الرسمية. وكانت سلطنة عمان واحدة من ثلاث دول عربية فقط لم تقاطع مصر بعد معاهدة السلام مع إسرائيل في الوقت الذي دعمت فيه محادثات السلام الأردنية الإسرائيلية في السنوات اللاحقة.

وبرهن قابوس التزامه بالتوصل إلى معاهدة سلام عربية إسرائيلية شاملة عندما قدم دعوة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين لزيارته في مسقط عام 1994. وجاءت زيارة رابين بعد أشهر من توقيع إسرائيل والأردن معاهدة سلام شاملة. وعلى الرغم من أن الزيارة التاريخية التي قام بها رابين كانت في البداية سرية، إلا أنه تم الإعلان عنها عند عودته إلى إسرائيل.

وعلى الرغم من أن الخطاب التاريخي للرئيس المصري أنور السادات أمام الكنيست في عام 1977 ومعاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية لعام 1994 لم تحقق التوقعات، إلا أن قابوس منح رابين والقيادة الإسرائيلية ما سعت إليه منذ تأسيس الدولة اليهودية عام 1948: الاعتراف والشرعية. وعلاوة على ذلك، يمكن القول إن دعوة قابوس علنا إلى رابين أمام الجمهور الإسرائيلي والعالم العربي على العموم هو استعداد عمان لابتعادها عن الموقف السعودي ومنح إسرائيل الاعتراف الفعلي.

وبعد اغتيال رابين أكد قابوس التزامه بعملية السلام بإرسال وزير خارجية عمان لحضور جنازة رابين. وقال علوي فى مقابلة لاحقة مع وسائل الاعلام الإسرائيلية عندما استضافه القائم بأعمال رئيس الوزراء شيمون بيريز: “سوف تقيم عمان قريبا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وسلطنة عمان لم تكن فى حالة حرب أبدا مع إسرائيل لكي تكون هناك حاجة لاتفاقية سلام”.

وقد حققت العلاقة القصيرة بين قابوس ورابين وبيريز نتائج ملموسة وإيجابية؛ فقد حافظت سلطنة عمان بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عام 1996 من خلال استضافة مركز أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه (MEDRC). والمركز هو المنظمة الوحيدة الباقية على قيد الحياة لخمسة مبادرات إقليمية مدرجة في اتفاقات أوسلو كجزء من محاولة للتعجيل بعملية السلام. ومن خلاله، حضر مشاركون من غزة والأردن والضفة الغربية مع نظرائهم الإسرائيليين عددا من الدورات حول تحلية وإدارة مياه الصرف الصحي في تل أبيب.

وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن الدبلوماسية العمانية الهادئة مقصودة من خلال التزامها بسياسة الحياد وعدم التدخل. حيث تسعى عمان إلى الحفاظ على استقلالها واستقرارها عن طريق التنسيق الوثيق مع بريطانيا والولايات المتحدة مع موازنة العلاقات مع جيرانها الأقوياء، إيران والسعودية. غير أن القضية الإسرائيلية الفلسطينية ليست من ضمن بواعث القلق الاستراتيجية المباشرة في عمان؛ على عكس إيران، التي تشترك معها مع مضيق هرمز، فإن إسرائيل قوة بعيدة.

وبالنظر إلى سعي ترامب لصياغة اتفاق سلام عربي إسرائيلي شامل، يمكن أن تلعب عمان مرة أخرى دورا محوريا من خلال علاقات مركز أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه (MEDRC). إن دعوة البيت الأبيض لنائب رئيس الوزراء للتعاون الدولي المعين حديثا، السيد أسعد بن طارق آل سعيد، قد تتيح فرصة لاستكشاف إمكانيات هذا الرجل الذي يبدو أنه على وشك أن يصبح خليفة قابوس في نهاية المطاف. حيث يبدو من المستبعد أن تعيد عمان دورها كقناة للرسائل الهادئة بين طهران وواشنطن بشأن قضايا الأمن الإقليمي كمحاولة للتخفيف من مخاطر الصراع في الوقت الراهن نظرا لرسالة ترامب الخطيرة المناهضة لإيران.

وكان آخر رئيس أمريكي يزور عمان هو بيل كلينتون فى عام 2000. بينما أرسلت إدارة جورج بوش نائب الرئيس ديك تشينى إلى مسقط فى 2002 و2005 و2006 لبحث قضية ايران وغيرها من القضايا الإقليمية. وفي الآونة الأخيرة، اعتمدت إدارة أوباما، وعلى وجه التحديد وزير خارجيتها جون كيري، على مسقط في مجموعة من المبادرات الإقليمية بدءا من إيران وسوريا واليمن. وتقديرا لجهود عمان الدبلوماسية المؤثرة، حضر جون كيري احتفال العيد الوطني العماني في 2016. وهي مبادرة غير معتادة من وزير الخارجية الأمريكي. وعلى الرغم من أن استعادة عمان مكانتها المرموقة في نظر الإدارة الأميركية الحالية لا تزال غير مؤكدة، فإن دور عمان الفريد دعما للجهود الرامية في حل بعض المشاكل الأكثر تعقيدا في الشرق الأوسط، يتعين على الإدارة الحالية أقلها فتح قنوات للتواصل.


23‏/05‏/2017

عمان: بين فجوة الاستقرار وحرب السيطرة والصراع على المعلومة - محمد الفزاري


يقول جورج أورويل صاحب رواية مزرعة الحيوان في روايته الديستوبية الأخرى المعنونة بسنة 1984 كأحد فلتاته الإبداعية في أدب الخيال السياسي: “الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها أبدا، كما أنها لا تتمرد أبدا لمجرد أنها مضطهدة. والواقع هو أن هذه الجماهير لا يمكن حتى أن تصبح مدركة لحقيقة اضطهادها طالما ظل امتلاك معايير للمقارنة غير متاح لها”. اتفق مع هذه الفقرة إلى نسبة كبيرة جدا لو قورنت بالواقع العماني، الواقع الذي تتشارك فيه جميع المجتمعات التي تعيش تحت وطأة نفس الظروف أهمها وجود سلطات مركزية توتاليتارية طوال عقود قادرة على تقنين مدخلات الوعي الجمعي عن طريق توجيه وتضخيم وتشويه المعلومة وحتى أيضا حجبها. ولهذا سعت هذه السلطات، عندما أحست أنها بدأت تفقد هذا الدور الشمولي في السيطرة على المعلومة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وفضاء الإنترنت المفتوح، باتباع منهج آخر لكن لا أستطيع أن أصفه بالجديد قدر ما هو بثوب جديد لغاية قديمة. فتُهْمتا المساس بالنظام العام والتقليل من هيبة الدولة(1) الجاهزتان المغلفتان عن طريق الأجهزة الأمنية والنيابية ما هما إلا وسيلتا استعادة سيطرة على المعلومة ومسارها. تدرك هذه السلطات كما أوضح أورويل أن فقدانها السيطرة يعني السماح لتوافر معلومات قد تدفع العقل الجمعي الموجه المستغفل المنوّم بأن يبدأ في امتلاك معاييره الخاصة وعقد المقارنات؛ لتكون المحصلة مع الأيام ارتفاع نسبة الوعي الجمعي وهذا ما لا تريده وتخافه السلطة. لأنه ببساطة ارتفاع نسبة الوعي لدى المواطن يعني إدراكه للواقع وللحقيقة مما سيؤدي إلى زيادة فجوة الاستقرار، وسيجد نفسه تلقائيا في صدام مباشر مع السلطة، تبدأ على مستوى المعلومة وقد تنتهي إلى صعيد آخر أكثر حدة وتطرفا. وهذا سيربك الاستقرار كما يطلق عليه نعوم تشومسكي عندما يصف منتقدا ركائز علاقة القوى العظمى مع هذه السلطات.

هذه القراءة، عبارة عن مقاربة لصور بانورامية لمشاهد عدة من الواقع العماني توضح مدى السيطرة التي تفرضها السلطة على مسار ونوع المعلومة التي يتلقاها العقل الجمعي بوعي ودون وعي وعلاقتها بفجوة الاستقرار. قد يساعد تسليط الضوء عليها في امتلاك بعض المعايير الدافعة للمقارنة. وأزعم -أو حتى أكاد أجزم-، يخطئ من يعتقد أن بناء وتشكيل الوعي الجمعي الذي قد يولد القوة لقول “لا” قد يأتي مباشرة بعد قراءة مقال أو كتاب أو حتى مشروع فكري فردي، هذا على مستوى الفكرة. أما على مستوى الزمن فهو يحتاج لفترة ليست بالقصيرة بتاتا تعتمد على عدد التجارب التي يواجهها أي مجتمع وسرعة التعلم منها. وبناء على فلسفة التاريخ الهيجيلية فإن العقل هو من يحكم العالم في نهاية المطاف رغم كل السوء والظلام ومظاهر الفوضى الذي تعيشه البشرية؛ فالتقدم باهظ الثمن جدا ويحتاج إلى تراجعات أحيانا ومواجهة مخاضات لكي يحصل التقدم.



فجوة الاستقرار: بين توقعات الشعب وقدرات الحكومة

هناك دائما مستوى قدرات تملكها الحكومة ومستوى توقعات تملكها الشعوب، وكل ما زادت هذه الفجوة بين مستوى القدرات وبين مستوى التوقعات زادت فرصة حدوث الثورات وعدم الاستقرار. ويرجع السبب في زيادة الفجوة بشكل مستمر إلى عاملين مهمين: الأول، أن الحكومة تقدم وعودا مستمرة في تحسين ورفع مستوى معيشة المواطن وفي شتى جوانب صميم مسؤوليتها مما يساعد في رفع مستوى التوقعات لدى الشعب، والنتيجة تكون خلاف ذلك. ثانيا، عندما يدرك “بعض” من الشعب مستوى القدرات الحقيقية للدولة، وهي قدرات أكبر مما تعلنه الحكومة عبر أجهزتها، مما ساعد في رفع مستوى توقعاتهم وتأثيرهم على الوسط الاجتماعي بآرائهم وفقد السلطة سيطرتها على المعلومة.

في 2011 كانت الفجوة في أعلى مستوى لها وهذا ساعد بالتأثر المباشر والسريع بشرارة الربيع العربي آنذاك. ورغم تلك الفجوة الحاصلة قبل الحراك، وكانت ظاهرة العيان، إلا أن الحكومة لم تبادر بتحركات فعالة لإدارة الفجوة قبل الحراك لأسباب أو احتمالات أهمها: 1- ربما الأجهزة المسؤولة لم تكن تدرك حجم تلك الفجوة وكانت بعيدة كل البعد عن الواقع وهذا دليل على ضعف الأجهزة في استقراء الواقع. 2- ربما لم تتوقع نهائيا تلك الأجهزة قدرة الشعب في التعبير عن غضبه ميدانيا، وكانت تتكئ على مستوى الخوف الذي زرعته في نفوس المواطنين طوال السنوات 40 السابقة وأيضا على مستوى سيطرتها على المعلومة، وهذا أيضا دليل آخر على ضعف التقدير.(2)

بيد أنه بعد الحراك حاولت تلك الأجهزة تدارك الوضع ليكون لصالحها عن طريق لملمة وترتيب أوراقها بطريقة ذكية والتركيز على نقاط القوة التي تملكها الحكومة. فنجحت بعمل ردات فعل ولو لم تكن مدروسة بشكل جيد، حيث ظهر الخلل بعد فترة وجيزة. وهذه طبيعة ردات الفعل بخلاف الفعل “المبادرة”. ساعدت تلك الكروت في تقليص تلك الفجوة، وكانت من أهم تلك الخطوات هي تلبية بعض المطالب المعيشية المؤقتة مثل رفع الرواتب والتوظيف وتقديم وعود لحل بعض مشاكل الشباب مثل توفير صندوق للزواج، الذي لم يرَ النور حتى الآن. في الوقت ذاته تجاهلت السلطة ولم تكترث لبقية المطالب الرئيسة وأهمها المطالب الإصلاح السياسي مثل الدستور التعاقدي، والفصل التام للسلطات الثلاث، ومنصب رئيس الوزراء، ومحكمة دستورية، وصلاحيات تشريعية ورقابية لمجلس الشورى.(3)

أصبح الشعب لديه واقعة قارّة في ذاكرته وهي حراك 2011، والتي تحاول الحكومة بشتى الطرق مسحها من الذاكرة الجمعية. هذه الواقعة مع مزيد من تسليط الضوء يمكن أن تشكل منطلقا نحو تطوير النقد الموجه للسلطة والتي تتحاور معه السلطة بطرقها المباشرة وغير المباشرة. صور جديدة من الصراع على المعلومة ستنشأ من هذا التكثيف على حراك 2011. وقائع جديدة يتم ربطها باستمرار مع تفاعلات الحراك الشعبي في 2011.

فكل ما قامت به الحكومة لإدارة تلك الأزمة هو حق مشروع لها، لكن أيضا للمواطن الحق في الشك والتساؤل ورفع مستوى توقعاته ولو أدى ذلك إلى زيادة الفجوة من جديد. وسأستخدم هنا لغة الأجهزة الأمنية، من حق تلك الأجهزة أن تعمل بكل وسائلها السلمية لتوجه نظر الشعب إلى الجزء المملوء من الكأس فقط، لكن أيضا من حق الشعب بعد النظر للجزء المملوء من الكأس، أن ينظر للجزء الفارغ من الكأس ويتساءل لماذا هو فارغ ويعمل وفق القانون سلميا لمعرفة ذلك. فقمة الإيجابية عندما تقارن وتنتقد وتقول الواقع وتذكر الحلول المناسبة إن استطعت، وقمة السلبية عندما تتهرب عن الواقع وتزيف الحقائق. السؤال الأهم الآن: ما مستوى حجم فجوة الاستقرار حاليا خاصة بعد ما فقد تقريبا أغلبية الشارع العماني الثقة في القضاء بعد تداعيات قضية صحيفة الزمن؟!(4)

وربط سياسة ردود الأفعال في مقارنتها مع سياسة المبادرات، بالتمييز بين التكتيك والاستراتيجية. الحكومة اتبعت في 2011 وما بعده مجموعة تكتيكات نجحت في وقتها في إعادة السيطرة على الأوضاع، ولكن هل أردفتها باستراتيجيات حقيقية لمعالجة المشكلات من جذورها؟ المؤشرات والوقائع تشكك في ذلك، وهذا يعني أن الحدث سيتكرر في المستقبل ولكن بأدوات جديدة وربما بعنف أشد. هذا التمييز بين التكتيك والاستراتيجية يمكن أن ينتج أفكارا كثيرة للنقد الموجه للسلطة وهي تدير منفردة جميع الملفات الداخلية تقريبا.



القانون: بين الواقع وتزوير الحقيقة

قبل فترة دخلت في حديث مع طالب جامعي في إحدى جامعات السلطنة الخاصة حول بعض المناهج وطبيعة التدريس وطريقة تعاطي المحاضر مع بعض القضايا السياسية والحقوقية والأسئلة التي ترافقها من قبل الطلاب بشكل عفوي ومنطقي. أتذكر وقتها كيف صرخت به حانقا كيف تسمحون بأن تُستغبوا بهذه الطريقة؟! رد عليّ ولا ألومه: “نريد أن نتخرج”. وتحمل هذه الإجابة احتمالين في المعنى المقصود: أولا نحن لا نكترث لصحة المعلومة قدر اهتمامنا لحفظ المعلومة وصبها في ورقة الامتحان وضمان الدرجة ثم التخرج، ثانيا دخولنا في حوار جاد مع المحاضر قد يعرضنا في البداية لتوبيخ المحاضر عن طريق سجل الدرجات ثم بعد ذلك للمساءلة الإدارية وقد تصل للتحقيق. ومن ضمن المسائل التي ناقشناها قضية فصل السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية من عدمها، وقضية منح الصلاحيات لمجلس الشورى التشريعية والرقابية من عدمها. صحيح أن دور الاستغباء الذي يقوم به المحاضر عن طريق تشويه المعلومة ليس بفعل مستغرب بشكل عام؛ فالسلطة تمارسه بشكل يومي عبر قنواتها وأدواتها في استغباء مهين للمواطن، بيد أن يمتد هذا الاستغباء والاستخفاف للمؤسسات التعليمية وفي كليات القانون لهي مهزلة كبرى. مع العلم أن القضيتين لا يوجد لبس في جوهر حقيقتهما ومع هذا تمارس السلطة بجاحتها في الضحك على الذقون. فلو بدأنا في مسألة فصل السلطات، كيف نقول هناك فصل والسلطان قابوس هو رئيس أعلى سلطة تنفيذية كرئيس مجلس الوزراء، وهو نفسه رئيس أعلى سلطة قضائية كرئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو نفسه رئيس أعلى سلطة تشريعية كرئيس مجلس عمان! هذا لو تناسينا المناصب الأخرى بين وزير ورئيس مجلس أعلى. أين الفصل ولماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها وحقيقتها؟!



السلطة التشريعية:

هل يملك مجلس عمان هذه السلطة؟ ووصفتها بالسلطة لأن هذا هو جوهر وجود الصلاحية من عدمه. وحسب الموسوعة العربية “السلطة التشريعية تقترح القوانين وتقرها، وقد تشاركها في عملية اقتراح القوانين السلطة التنفيذية (الحكومة)، ولكن عملية التصويت على مشروع القانون لإقراره، تدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية وحدها، لا تشاطرها فيها سلطة أخرى من حيث المبدأ، ولكن بعد سن القانون تتولى السلطة التنفيذية مهمة التصديق عليه، وإصداره ونشره”. وهذا بخلاف ما نص عليه النظام الأساسي للدولة(5) كما سنلاحظ الآن. في المــادة (58) مكــررا (35): “تحـال مشروعـات القوانيـن التي تعدهــا الحكومـة إلى مجلـس عمـان لإقرارهــا أو تعديلها ثم رفعها مباشرة إلى جلالة السلطان لإصدارها. وفـي حال إجراء تعديلات من قبل مجلس عمان على مشروع القانون يكون لجلالة السلطان رده إلى المجلس لإعادة النظر فـي تلك التعديلات ثم رفعه ثانية إلى جلالة السلطان.” وفي المادة مــادة (58) مكــررا (36): “لمجلس عمان اقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها إلى المجلس، وتتبع بشأن إقرارها أو تعديلها وإصدارها ذات الإجراءات المنصوص عليها فـي المادة (58) مكررا (35).” نلاحظ بشكل واضح وصريح أن المشرع وصاحب القرار النهائي هو السلطان قابوس. وليس هذا فقط؛ ففي المادة (58) مكــررا (39): “لجلالة السلطان إصدار مراسيم سلطانية لها قوة القانون فيما بين أدوار انعقاد مجلـس عمــان وخـلال فترة حـل مجلـس الشـورى وتوقـف جلسات مجلس الدولة.” يحق للسلطان قابوس إصدار تشريعات كيفما شاء في الحالات التي أشارت إليها المادة. وأخيرا وليس آخرا المادة (58) مكــررا (40): “تحال مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة من مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال شهر على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه ثم إحالتها إلى مجلس الدولة لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه، وعلى رئيس مجلس الدولة إعادتها إلى مجلس الوزراء مشفوعة بتوصيات المجلسين، وعلى مجلس الوزراء إخطار المجلسين بما لم يتم الأخذ به من توصياتهما فـي هذا الشأن مع ذكر الأسباب.” تصرح أيضا بشكل واضح ومضحك أنه يا مجلس عمان بشقيه مجلس الشورى والدولة كل مقترحاتكم وتعديلاتكم حول مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة يستطيع السلطان قابوس ومجلس وزرائه رميها في أقرب سلة مهملات!



السلطة الرقابية:

وحقيقة وجود هذه الصلاحية. المــادة (58) مكــررا (43): “يجـوز بنـاء على طلب موقـع من خمسـة عشــر عضـوا على الأقـل من أعضـاء مجلس الشورى استجواب أي من وزراء الخدمات فـي الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهـم بالمخالفـة للقانـون، ومناقشـة ذلك من قبل المجلـس ورفـع نتيجـة ما يتوصل إليه فـي هذا الشأن إلى جلالة السلطان.” نصت المادة على صلاحية الأعضاء في استجواب وزراء الخدمات فقط، وهنا الإشكالية في حقيقة وجود صلاحية الرقابة أصلا. أو لنقل صلاحية خجولة لا ترقى لمستوى التصريح بحقيقة وجود السلطة الرقابية. وهذا يعني أن السلطان قابوس لا يمكن أن يحاسب لا بصفته رئيس الوزراء ولا بصفته وزيرا للمالية والدفاع والخارجية، حيث إن ذاته مصونة كما نص عليه النظام الأساسي، والوزارات التي يترأسها لا تدخل ضمن نطاق الوزارات الخدمية. الإشكالية الأخرى أن النظام الأساسي نسي أو تناسى متجاهلا، وفي النهاية سنصل للنتيجة نفسها، تحديد ما هي الوزارات الخدمية وما هي الأخرى وما صفتها. وهذا ما لعبت عليه السلطة فيما بعد عندما رفع 43 عضوا في الفترة السابقة رسالة طلب استجواب إلى رئيس مجلس الشورى لاستجواب وزير النفط والغاز جاء الرد من مجلس الوزراء أن هذه الوزارة تدخل في إطار الوزارات السيادية! وقد صرح عضو مجلس الشورى توفيق اللواتي في حسابه عبر تويتر بعد رد مجلس الوزراء: “السؤال ما هي الوزارات الخدمية؟ هذه نقطة خلاف، فحين تقدم أكثر من نصف أعضاء المجلس بطلب استجواب وزير النفط والغاز كان الرد من مجلس الوزراء أن وزارة النفط والغاز من الوزارات السيادية.”(6) الأنكى من ذلك، طلب استجواب وزيرة التعليم العالي حينها قدمه 16 عضوا وانتهى بشكل درامي وغريب لا يعلم حتى الأعضاء أنفسهم ماذا حدث. وحتى لو افترضنا تم الإجماع بالأغلبية من الأعضاء في حجب الثقة عن أحد وزراء الخدمات هل بيدهم القرار لتنفيذه؟ المادة (58) مكــررا (43) تقول “لا” والقرار يرجع أيضا للسلطان قابوس فقط. بدون شك سيحاول أن يبرر البعض بأن الصلاحيات يجب أن تمنح بالتدريج أو أن الشعب غير واع لتحمل الصلاحيات، وهذا لا يعنيني الآن لأنه محور آخر قدر ما يهمني هذا السؤال: لماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها وحقيقتها، لماذا تشوهون المعلومة؟! والحقيقة بكل بساطة هي أن قبل تعديلات 2011 كانت لا توجد أي مادة في النظام الأساسي تنص على وجوب تمرير أي مسودة مشروع قانون على مجلس عمان، والآن توجد. بالإضافة إلى حق 15 عضو في استجواب وزير خدمات، فقط. وحتى هذه الأخيرة نضع تحتها ألف خط.



الحاكم.. بين النقد والتقديس

“كلنا ندعي أننا نحب الحق ونريد نصرته من صميم قلوبنا، ولكننا في الواقع لا نحب إلا ذلك الحق الشعري الذي نلهج به دون أن نعرف حدوده في الحياة العملية. أما الحق الصارم الذي يهدد مصالحنا فنحن أبعد الناس عنه.” من العبارات التي ترسخت في رأسي بعد قراءتي كتاب “مهزلة العقل البشري” للمفكر وعالم الاجتماع علي الوردي رغم مرور على الأقل ثلاث سنوات، وهذا من النادر أن يحدث عند شخص مثلي ابتلي بضعف الذاكرة. بيد أن واقعية العبارة هي من فرضت نفسها بالقوة وقاومت امتصاص الثقوب السوداء لذاكرتي وما أكثرها. كيف سأنسى العبارة ولو أردت أن أتناسى وأنا أشاهد حجم التناقض الذي يعيشه “البعض” في منهجية النقد التي يتبعونها؟! وأعني بالبعض هنا المواطن المُغَيِّب والمُغَيَّب.

هل يعقل أن تنتقد مسؤولا ما على تقصير معين في أدائه كمسؤول في الدولة، ومن جهة أخرى نجد الشخص ذاته يقدس ويبارك ويهلل لمسؤول آخر في الدولة بدون أن يوجه له أو يفكر أن يوجه له أي انتقاد على أدائه في قضية معينة في يوم ما. مع العلم أن المسؤول الذي يقدسه يتحمل الوزر الأكبر أو مساويا منطقيا وأخلاقيا، لأن الأخير هو المسؤول الأول وهو من عينه وهو من يقيله. ما بالك لو كان هذا المسؤول “المقدس” هو الحاكم الذي يسيطر على جميع مفاصل الدولة كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة وجميع سلطاتها الثلاث وكل مجالسها العليا وأهم وزارتها؟! الاحترام لا يعني التقديس، والانتقاد لا يعني عدم الاحترام، وكل مسؤول في الدولة مهما قدم للوطن يبقى مواطنا كغيره وإنسانا قبل ذلك، غير معصوم عن الخطأ وغير مرفوع عنه وغير منزه عن الانتقاد. هذا واجبه كموظف في الدولة وليس كرما ولا تكرما، بل حق للوطن والمواطن. وقد لا يدرك غير العماني ما أعنيه، لأن الكلمات أحيانا تقف عاجزة عن التوصيف بشكل دقيق للوضع القائم. الحاكم في عمان هو إله الخير فقط، وكل إله سواه هو إله الشر وكل عيبة ونقيصة.

ويقول أفلاطون: “نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر”. لكن في الواقع، التفكير يسبقه نقد ويرافقه نقد وينتهي بالنقد، لكن كل سلطة شمولية عن طريق سيطرتها الكلية على المعلومة عن طريق أدواتها ووسائلها كالإعلام وأجهزة المخابرات ومساندة وعاظها ومثقفيها، استطاعت بكل جدارة تطبيق النظرية المكارثية وشيطنة كل نزعة إصلاحية وكل دعوة هدفها التغيير في أذهان الناس. حتى أصبح مفهوم النقد لدى الكثير، ما هي إلا دعوات تخريبية مدعومة من منظمات مشبوهة. ولكن إذا حصل النقد ووجد طريقه وفرصته، جاء للأسف في الغالب مشوها ومقلوبا وناقصا للمنطق ولا تؤطره المبادئ. رسالة: كلما ساد الرأي الواحد باسم الوطنية اضمحل العقل ونهب الوطن، وكلما تعددت الآراء وتنوعت الأفكار تحررت النفوس وازدهر الوطن. من كان جزءا من المشكلة لا يمكن أن توكل له مهمة حلها.





الهوامش:
1- انظر: قانون الجزاء العماني، المادة 126، المادة 130، المادة 130 مكرر.
2- لمزيد من التفاصيل انظر: مجموعة مؤلفين، الربيع العماني: قراءة في الدلالات والسياقات. تحرير وإعداد: سعيد الهاشمي، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص369.
3- انظر: محمد الفزاري، قراءة: الدستور التعاقدي العماني بين الطموح وشماعة الجاهزية الشعبية، مجلة مواطن، العدد 17:
4- لمزيد من التفاصيل انظر: المرصد العماني لحقوق الإنسان، تداعيات قضية الزمن، تاريخ 10 أغسطس، 2016:
5- انظر: وزارة الشؤون القانونية، الموقع الرسمي:
6- انظر: صحيفة البلد، مجلس الشورى: قضية “الوزارات السيادية” ستناقش دستوريا، عدد 5 ديسمبر، 2012:



10‏/05‏/2017

لغز الخلافة في عمان.. محللون يخشون مواجهة أي حراك شعبي بالقوة - ترجمتي في مجلة مواطن - محمد الفزاري


نشر the Christian Science Monitor عبر موقعه تقريرا حول واقع الخلافة في عمان ومآلات المستقبل، وأعد التقرير صحافي يدعى .Taylor Luck تنشر مواطن التقرير مترجما للعربية مع وضع بعض التعديلات التي لا تلغي ما احتواه من مضامين.


– ترجمة: محمد الفزاري



السلطان قابوس الذي لا يملك أبناء -استخدم الثروة النفطية لبناء دولة وضعها بشكل استراتيجي كلاعب خليجي عربي مهم- قد وضع آلية انتقال الحكم سرية في محاولة لضمان الاستقرار، ولو على المدى القصير فقط.



السلطان قابوس، زعيم عمان المريض، هو رئيس وزراء دولة صغيرة لكنها غنية. وهو كذلك رئيس الدولة، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، والقائد العام. كل تلك المناصب تحت سلطته.

في كل مكان السلطان قابوس يلوح في الأفق. صورته تحيي الزوار في المطار، اسمه يزين الطرق والمدارس والمستشفيات والموانئ والملاعب والجامعات. وأكبر مسجد في كل مدينة رئيسة يحمل اسمه. تقريبا كل عماني لديه قصة عن زيارة السلطان لمدينتهم أو قريتهم. الولاء إلى عمان يعني الولاء إلى السلطان قابوس.

الآن، مع تدهور صحة السلطان البالغ من العمر 76 عاما، ولأنه لا يملك أبناء، الاهتمام قد تحول بشكل طبيعي نحو خلفه. ولكن هناك مشكلة: لا أحد يعرف من سيخلفه.

وطوال فترة حكمه التي استغرقت خمسة عقود تقريبا -الذي وصل إلى السلطة في انقلاب غير دموي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات في القصر- سعى قابوس إلى تحقيق الاستقرار على حساب كل شيء آخر. ولمنع مؤامرات القصر الداخلية، والتدخل الخارجي من قبل القوى الإقليمية، أو الاقتتال الداخلي بين القبائل العمانية، أبقى قابوس خطط خلافته غامضة.

وقال محللون ومراقبون إن المتاهة المعقدة حول سرية الخلافة وآلية انتقال الحكم، تشمل انتخابات مجلس الأسرة ومظاريف مغلفة على غرار جائزة الأوسكار، قد صممت لضمان الاستقرار.

ولكن هل تلك الآلية في انتقال الحكم ستكون قابلة للتنفيذ؟ يتفق الجميع على أن السلطان المقبل، أيا كان، سيكون له مهمة طويلة لكسب ولاء الشعب الذي لم يعرف ولم يستفد سواء من قابوس. ولكن الأكثر صعوبة سيكون في إدارة مستقبل اقتصاد عمان المعتمد على النفط ومنع الاضطرابات الاجتماعية التي قد تصاحب حتما انخفاض عائدات النفط.

استقرار عمان له أهمية بالنسبة للمنطقة والعالم بسبب موقع البلاد عبر مضيق هرمز مقابل إيران. ويشارك البلدان في السيطرة على الممر المائي الخليجي الحيوي الذي يمر من خلاله 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية.

ويعترف دبلوماسيون غربيون في العاصمة مسقط بأن مضيق هرمز قد يكون “الجائزة الكبرى” في التنافس بين السعودية وإيران، وقد يكون “مصدرا للنزاع المقبل” في حال فقدت عمان ميزانها الدبلوماسي الدقيق بين دولتين ذاتي ثقل إقليمي كبير.



الأب والحامي

السلطان قابوس نصب نفسه أمام الشعب كأب وحامي عمان. ومع اكتشاف الثروة النفطية، أخرج قابوس البلاد من الفقر والانعزال إلى دولة حديثة ولاعب رئيس على الساحة العربية.

حين وصل قابوس إلى السلطة في عام 1970، كانت عمان واحدة من أفقر البلدان في المنطقة. لم يكن لديها سوى ثلاث مدارس، وكان 66 في المائة من السكان البالغين أميين، بمن فيهم 88 في المائة من النساء. وواحد من كل خمسة أطفال يتوفى قبل بلوغ سن الخامسة. وكان متوسط العمر المتوقع 49.3 سنة.

و نما الناتج المحلي الإجمالي العماني من 256 مليون دولار في عام 1970 إلى أكثر من 80 مليار دولار. ويوجد اليوم 1230 مدرسة، وانخفضت نسبة الأمية بين الكبار إلى 5.2 في المائة. وحاليا يوجد 59 مستشفى، وارتفع متوسط العمر المتوقع إلى 76 عاما.

وطوال التحول الكبير في عمان، أضاف السلطان قابوس لمسة شخصية حتى على مستوى التدخل في تقنين وتنظيم الموضوعات البسيطة. وقد تركت هذه اللمسة الشخصية بصمة على العمانيين؛ فأصبح ولاؤهم لقابوس أصيلا وواقعا ملموسا.

من حوض بناء السفن في صور، جمعة بن حسون، مالك الحوض وباني السفن العمانية المصنوعة يدويا من خشب الساج، يتذكر عندما السلطان حثه على العودة إلى وطنه من الكويت وفتح المحل. “جلس السلطان هنا طوال الليل، وفي نهاية الليل قبل أن يغادر، أعطانا حقيبة من المال وأمرنا بمباشرة عملنا”.



لغز الخلافة

قابوس يعاني من تدهور صحته منذ عام 2014، حيث أمضى أشهرا متواصلة في ألمانيا لتلقي العلاج. وكان نادرا ما يظهر في المناسبات العامة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

ووفقا للخبراء، هناك 85 فردا هم ورثة شرعيون لقابوس من ذرية أسرة آل سعيد المالكة ومن والدين عمانيين.

وبموجب الدستور الحالي، سيقوم مجلس الأسرة باختيار الخليفة في غضون ثلاثة أيام من وفاة قابوس. وإذا فشلوا في التوصل إلى توافق في الآراء، السلطان قابوس ترك وراءه ظرفين مختومين في موقعين منفصلين، يحمل كل منهما اسم خلفه المفضل. لكن أي واحد من 85 يمكن أن يخلف قابوس بعد وفاته.

و يقول أحمد المخيني -محلل سياسي عماني- “الأسرة الحاكمة لديها تاريخ في الصراع على السلطة بين الخلفاء والأشقاء حتى قتل بعضهم البعض. وإذا كان الخليفة اسما واضحا ومعلوما، هناك العديد من الجهات والأطراف الفاعلة التي قد تحرض أفراد الأسرة ضد بعضهم البعض… إذا لم يكن هناك خليفة محدد، بطريقةٍ ما النظام سيكون أكثر استقرارا”.

على مر السنين، قابوس بذل قصارى جهده لعدم تفضيل أحد الأقارب الذكور على آخر، حتى لا يكشف عن نواياه. ومع ذلك، فإن المراقبين غالبا ما يسمون ثلاثة مرشحين مفضلين: أسعد، شهاب، و هيثم، أبناء طارق، عم السلطان قابوس.

وحتى وقت قريب، كان عدد قليل منهم من يتمتع بخبرة مباشرة في مجال الحكم. وفي 3 مارس أصدر قابوس مرسوما سلطانيا بتعيين أسعد بن طارق نائبا لرئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي، وهو مثال نادر في إشراك العائلة المالكة في شؤون الدولة. وبعض المحللين عدها إشارة بأن أسعد، في عقده الستين، قد يكون السلطان القادم. لكن الدبلوماسيين والمحللين الغربيين يوافقون على أنها مجرد تخمينات قد لا تصح.



مفترق طرق إقليمي

ومع ذلك، فإن ميل قابوس للسرية ليس فقط بسبب موقفه الشخصي ولتجنب الصراع الداخلي. ويقول المراقبون إن هذا النظام هو رد فعل على واقع عمان المضطرب مع جيرانها من الدول، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وإيران التي تقع على بعد 35 ميلا من الساحل.

وقد حافظ قابوس على حياده على مدى عقود في الوقت الذي تآمرت فيه القوى الإقليمية المختلفة ضد بعضها البعض. وتحافظ عمان على علاقات سياسية واقتصادية قوية مع ايران، وهى شريك تجاري قديم، فى الوقت الذي تقيم فيه علاقات كاملة وودية مع منافستها المملكة السعودية.

واستثمرت عمان واقعها الجغرافي والسياسي بين شبه الجزيرة العربية وإيران، لتلعب دور الوسيط بين دول الخليج العربية والغرب وإيران، بل ساعدت على التوسط في اتفاق إيران النووي لعام 2015.

وإعلان الخليفة، سيفتح الباب أمام إمكانية السعودية أو الإمارات أو إيران في تفضيل السلطان المقبل أو استخدام ثرواتهم أو وكالات الاستخبارات للسيطرة عليه.

وقال المحلل جيورجيو كافيرو -مدير شركة الخليج لتحليلات – وهي شركة استشارية مقرها واشنطن، “ليس سرا أن هناك تصورات سلبية في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى حول علاقات عمان المتنامية مع إيران”.

وأضاف “هناك فرصة جيدة أن يحاول أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي خصوصا السعودية والإمارات العربية المتحدة الضغط على خليفة السلطان قابوس لإدارة سياسة خارجية أكثر انسجاما مع الرياض وأبوظبي”.

علاوة على ذلك، هذه السرية تحمي أيضا إرثا آخر مهما لقابوس وهو موازنة مختلف القبائل والأقليات الدينية التي تشكل دولة عمان، القوات الأمنية، المحاكم، المدارس المحلية، الإباضية، قبائل الداخلية، والشيعة، والتجار الساحل، والمغتربون العمانيون من شرق أفريقيا. والمنافس لعرش السلطان قد يزيل بسهولة هذه التوازنات الدقيقة.



التحديات الاقتصادية

بيد أن السرية المحيطة بوارث قابوس قد تبقي السلطان المقبل غير مستعد على نحو مؤلم للأزمة الاقتصادية المحتملة القادمة على البلاد. ووفقا لدراسات مختلفة، حسب الإنتاج الحالي من المتوقع أن ينفد النفط في عمان بعد 15 عاما. ويقول الخبراء إن عمان تحتاج نحو 55 دولارا من بيع كل برميل نفط لدفع مرتبات القطاع العام. وعندما يتأرجح سعر برميل النفط أو ينخفض ​​إلى ما دون 55 دولارا – كما هو الحال لبعض الوقت- عمان تواجه إشكاليات اقتصادية.

في عام 2011، اندلعت احتجاجات في عمان بسبب نقص الوظائف والفساد أدت إلى القتل. استجاب قابوس لمطالب المتظاهرين بزيادة التوظيف العام وارتفاع الرواتب والمكافآت التي لا تزال الحكومة تدفع ثمنها.

المحللون والعمانيون بشكل خاص متخوفون: كيف يمكن للسلطان الجديد، الذي لا يتمتع بالخبرة ولم يستعد لهذا المنصب والحريص على كسب المصداقية، كيف سيتعامل مع ردود الفعل؟!

ويقول المخيني: “مع تزايد عدد الباحثين عن عمل، إذا لم ينم الاقتصاد ولم يستطيعوا تقديم مشاريع، فسوف ينتهي بهم المطاف إلى قنبلة اجتماعية… السلطان الجديد لن يكون له نفس المصداقية مثل السلطان السابق الذي تساعده مصداقيته إلى أن يصل إلى توازنات”.

وأشار دبلوماسيون غربيون إلى تزايد عدد قوات الأمن والعسكر في عمان، ويخشون من أن أي تحديات لحكم السلطان المقبل، يحتمل أن يكون محركها اقتصاديا، وأن تواجه بالقوة.

يقول دبلوماسي غربي مقره في مسقط: “إذا كان السلطان القادم ضعيفا، فمن المحتمل أن يعتمد بشكل كبير على الجيش.. وأي سوء فهم مع المتظاهرين قد يشعل الشارع”.

18‏/03‏/2017

«العقاب الجماعي».. نهج عماني يطبق على أسرة ناشط حقوقي - محمد الفزاري




قال محمد الفزاري - الناشط الحقوقي العماني المقيم في المملكة المتحدة كلاجئ سياسي - إن جهاز الأمن العماني الداخلي، أوقف للمرة الثالثة زوجته الكاتبة «بدرية المعمري» وطفليهما، في الحدود بين عمان والإمارات، أمس، من دون أي أسباب قانونية.

وأوضح - في تدوينة له على حسابه بـ«فيسبوك» - أن جهاز الأمن صادر جوازاتهم وطلب منهم مراجعة القسم الخاص في مسقط، متسائلاً: «ما هو ذنبهم؟ وما هو أفضل توصيف لمثل هكذا تصرفات وممارسات؟»، ولم يتسن لـ«بوابة الخليج العربي» التواصل مع السلطات العمانية للتعقيب على الواقعة.

«الفزاري» تمكن من الخروج خارج السلطنة والوصول إلى لندن كلاجئ سياسي، بعد أن سحبت السلطات العمانية - متمثلة في جهاز الأمن الداخلي - وثائقه «جواز السفر وبطاقة الهوية»، ومنعته من السفر على خلفية نشاطه السياسي وخلافاته مع سياسة الحكومة العمانية.

وتضامن عدد من المتابعين مع أسرة «الفزاري»، مستنكرين على السلطات العمانية اتباع هذه الأساليب. ووصف المتابعون تصرفات الحكومة العمانية بأنها «غير إنسانية، وسلوك غير حضاري واتباع لسياسة العقاب الجماعي، والتصرفات المخالفة للقانون».

وقال سليمان المعمري، إن مثل هذه التصرفات تسئ لسمعة عمان، متسائلاً: «إذا كان المغضوب عليه هو الزوج فلماذا يتم التنكيل بالزوجة وأولادهما؟».

وأعرب محمود محمد عن تعاطفه مع أسرة الفزاري، معتبرًا أن هذا التصرف إساءة أخرى إلى سمعة الوطن، راجيًا أن تتم مراجعة القوانين التي تحد من تحركات أي مواطن، ما لم تكن له تهمة أو قضية.

وقال أحمد الجيزاوي: «يحق لمحمد الفزاري أن يعيش مع أسرته في أي مكان يختاره، لا يمكن أن يمنع الأطفال من رؤية أبيهم والزوجة من لقاء زوجها بأي سبب كان، ولا يليق بالحكومة استخدام سياسة العقاب الجماعي».

وقال نصر البوسعيدي: «أن نختار الأماكن التي تحفظ لنا حقوقنا مثلما نراه مناسبا لنا هو حق مشروع لكل إنسان على وجه الأرض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وباسم عُمان احتجاز عائلة بأكملها ومنعها من السفر نتيجة الاختلاف».

وأضاف: «كنت أشعر بأن كل هذا سنتجاوزه مع مرور الزمن، وكانت البداية بمنعها من السفر برفقة الأبناء عدة مرات ومنعها حتى من المشاركة في البريمي بالملتقى الأدبي والفني للشباب، وهي شاعرة مشاركة!»، مستطردا بالقول: «كأن عمان أراد بعضهم تحويلها لسجن كبير لكل أفراد هذه العائلة وهذا لا يليق بالوطن أبدا».

وتابع «البوسعيدي»: «كثير منا يختلف مع الآخر في الانتقاد والمعارضة بالطريقة التي يسير عليها بعضهم.. ولكن يجب أن نؤمن جميعنا ونتفق باحترام وتقديس إنسانية وعائلات الجميع».

وبدوره، طالب المرصد العماني لحقوق الإنسان بضرورة إعادة جميع المستندات الرسمية الخاصة بالكاتبة بدرية المعمري وطفليها (الملاك 3 سنوات، والمهاتما سنة واحدة) والسماح لهم بالسفر.

وأوضح أن السلطات العمانية منعت بدرية المعمري وهي بصحبة أطفالها من السفر أثناء اتجاهها إلى مطار دبي، حينما أوقفتها السلطات العمانية عند المنفذ الحدودي الوجاجة، حيث طلب منها رجل الأمن تسليم وثائقها الشخصية ووثائق أطفالها (جوازات السفر)، ثم عاد إليها بعد قليل ليخبرها أنه تم حجز كل الوثائق، وأنه يتوجب عليها مراجعة القسم الخاص في مسقط، دون أن يتم إعلامها بسبب الحجز.

وبين المرصد أن العادة جرت أن يتم تفتيش وثائق المواطنين العمانيين في منافذ الحدود الإماراتية قبل دخولهم الإمارات، وليس من منافذ الحدود العمانية كما حدث مؤخرا مع بدرية.

ولفت إلى أن بدرية تعرضت سابقا للاستدعاء إلى القسم الخاص للتحقيق معها لمدة 5 ساعات تقريبا، وكان التحقيق عن علاقتها بزوجها وكيفية تواصلها معه وغيرها من الأسئلة المتعلقة بحياتها الشخصية.

وأشار المرصد إلى أن حالات المنع من السفر ليست بجديدة، وأنه تم اتباعها سابقا مع الناشطين والناشطات في المجال الحقوقي.

منظمة العفو الدولية: كفو عن مضايقة أسرة محمد الفزاري

10‏/02‏/2017

مسمار جحا - محمد الفزاري


في البلدان التي أسست أنظمتها لخدمة المواطن، لا يذكرون إنجازات الحاكم إلا استطرادا إيمانا منهم بأن هذا هو واجبه الطبيعي، وهذه حقوقهم الطبيعية.

‏لكن في البلدان التي أسست أنظمتها لاستعباد المواطن، كما هو في عمان، يجب أن يطبل المواطن على كل حق أصيل يحصل عليه من حكومته ليثبت مدى وطنيته. ويجب أن ينسب كل نقيصة لبطانة الحاكم وحاشيته فقط والحاكم منه بريء، وكل إنجاز -إن صح أن نطلق عليه إنجاز أصلا- يجب أن ينسبه للحاكم ويهلل ويطبل له ليلا نهارا.

‏المجتمعات المستعبدة من قبل أنظمتها تعاني من شيزوفرينيا إدراكية حتى في أبسط أنواع الإدراك الذي يجب أن يمتلكه كل مواطن؛ فكيف يعقل أن تجد مواطنا يلعق حذاء الحاكم على كل حق أصيل يحصل عليه، وفي ذات الوقت يبرئه من كل تقصير بحجج واهية لا يمكن أن تصدر من عقل واعي وحر.

‏وكما يقول المثل: الطيور على أشكالها تقع. فلا يمكن أن تجد بطانة مكونة من مجموعة من السفلة والعبيد واللصوص إلا إذا كان الحاكم لا يختلف عنهم أخلاقيا. ‏الحكام السفلة يحيطون أنفسهم بمن يماثلونهم ويقبلون منهم سفالتهم ويحفظون سر فسادهم وسرقاتهم. الحاكم هو من يختار بطانته وليس العكس.

‫البطانة هي مسمار جحا يعلق عليه الحاكم السافل سفالته، ويعلق عليه المواطن المصاب بالشيزوفرينية الإدراكية غباءه وجهله وقبح عبوديته‬.

02‏/02‏/2017

كلام مهم يجب أن يقال.. إلى جهاز الأمن الداخلي - محمد الفزاري


بعد مضي قرابة 6 أشهر منذ منعي من السفر ومصادرة وثائقي، قلت للعقيد الذي كان مسؤولا عن ملفي ويفرض عليّ مقابلته وديا للحديث* بين حين وآخر: أنا خلاص تعبت ما ممكن أستمر أعيش بدون وثائق، لا جواز ولا بطاقة شخصية.. ومافيه جهة قضائية قبلت تستلم تظلمي ضد جهاز الأمن.. وأنت عارف أنا ما علي أي قضية "وقتها".. وإذا استمر الحال بخرج من عمان.

ضحك ورد: أنت الإمارات ما تقدر تدخلها.

لم أرد واكتفيت حينها بالصمت مع ابتسامة ساخرة وأنا أحدثني: حد يتكلم عن دخول الإمارات ههه. بعد مضي شهرين أنا في لندن.

من الواضح أن أفراد جهاز الأمن الداخلي يفهمون أن معنى مفردة الأسرة الحاكمة في النظام الأساسي ليس فقط أنهم يملكون الحكم، بل أيضا يملكون جميع المواطنين وثروات البلاد. يعتقدون أن جميع المواطنين مجرد عبيد في مزرعتهم. وهم لهم الحق في تقرير مصيرهم. ذات الأسباب تتكرر. نحن أدرى بمصلحتكم.. نحن نحميكم من أنفسكم. هذا ما حدث معي، وهذا ما يحدث مع زوجتي، وهذا ما يحدث مع كل المواطنين المغضوب عليهم.

أنا أعرف سبب غضبكم، لأني كسرت ثقتكم العمياء بقدرتكم في التحكم بمصير المواطنين. كنتم تعتقدون أنكم قادرين على السيطرة على جميع المواطنين بترهيبكم، وغرس ثقافة الخوف، والضغط على كل خارج عن طوع أمركم اجتماعيا وأسريا. لكن أؤكد لكم هذه لعبة صبيانية عندما تقوم دولة بهذه الأفعال التي تسيء للسمعة الوطن قبل أن تسيء لكم.

وأعرف أيضا أن سبب سخطكم أكثر وأكثر، أني خرجت من عمان بأموالكم عمدا لأكسر كبرياؤكم وأصفع ثقتكم العمياء. كنتم تحاولون رشوتي منذ سنوات مقابل السكوت ورفضت.. حاولتم تبني مجلة مواطن ورفضت. لكن عندما قررت الخروج تركت كل ما أملك لأسرتي، وقلت لعقيدكم ممكن الآن آخذ مساعدة لو هناك إمكانية لأني أمر بظروف أسرية. أعطاني مبلغ صغير، وحجزت به تذكرتي وصرفت الباقي على تكاليف السفر الأخرى.

أقول كل هذا كرسالة لعل هناك رجل رشيد في جهاز الأمن يفهم ما أعني. أنتم وسلطتكم لا تملكوننا. نحن أحرار. تذكروا كلامي هذا.

أعلم أنكم منذ خروجي حاولتم كثيرا الضغط على زوجتي وأسرتها لدفعها للطلاق. للأسف أقولها أن خستكم ودناءتكم وصلت للتصريح بهذا أمام والد زوجتي وزوجتي عندما تم استدعاؤهم: "محمد يرجع أو الطلاق". تعرضتم للأسرة في أبسط حقوقهم مثل التوظيف. وماحدث مؤخرا من منع* مجرد تكملة لمسلسل خستكم لدفع أسر زوجتي لإنهاء الزواج بحجة العيب والفضيحة وكلام الناس وكذلك الخوف على مصالحهم. ولهذا أحمّل الأجهزة الأمنية هذا المصير وعواقبه.


هوامش:
*هدف اللقاءات الودية هو عمل غسيل المخ بالاضافة إلى الترهيب والترغيب لكل مواطن يخرج على عصا الطاعة. يتم نقلك من ضابط إلى آخر اعتمادا على مستوى النجاح أو الاخفاق الذي يحققه الضابط.
*لم تكن زوجتي والأولاد ينوون الاستقرار في بريطانيا، كانت مجرد زيارة قصيرة لمدة شهر.