أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

17‏/02‏/2015

فكرة الدولة الإسلامية تنافي مبدأ العالمية للرسالة المحمدية - محمد الفزاري

أعيد هنا ترتيب بعض النقاط والأفكار التي قد طرحتها على طاولة النقاش مع مجموعة من الأصدقاء. ولا أدري هل خانني التعبير أم حقا استطعت التعبير عنها بكل وضوح.

وأقصد هنا "قناعاتي الحالية" وبصيغة أخرى الحقيقة التي أعيشها. شخصيا لا أؤمن بعبارة "البحث عن الحقيقة" في الأمور الغيبة. لأننا لا يمكن أن نصل للحقيقة المطلقة أبدا.

لذا الاستمرار في البحث عنها والعيش في اللاأدرية ستكون عواقبها وخيمة على الإنسان الذي جبل على العبادة ، وليس "العبودية" كما يسميها البعض وهذا تصور منافي لإيماننا بعدل الله مع عباده وبين عباده، ولا يمكن أن يتحقق ذلك العدل إلا إذا تحقق الاختيار الحر للإنسان، فكيف يحاسب من هو عبدا مجبورا!.

وجبل الإنسان على العبادة لأنه خلق من مادة "الجسد" وروح "روح القدس". وهذا ما يميزه عن الكائنات الحية الأخرى، التي تملك الحياة فقط بجانب النزعة الحيوانية وهي الغريزة، مثلما يملك الإنسان النزعة البشرية وهي النفس.

ورغم عدم استقراري على فهم واحد حتى الآن لماهية روح القدس، إلا أنها هي التي تصنع الفارق بين الإنسان وغيره من الكائنات. وهي التي تجبله على العبادة عن طريق الاستسلام والخضوع الحر ليصل لمرحلة السلام والطمأنينة. 

-أؤمن بوجود الله مع توحيد ربوبيته وهو الإيمان بأنه خالق الكون وكل ما فيه، وتوحيد ألوهيته وهو الإيمان باستحقاقه للعبادة وحده فردا صمد.

- الإسلام هو التسليم بوجود الله الخالق المستحق للعبادة.

- العبادة هي أفعال وتصرفات وسلوكيات اختياري غير مرتبطة لا بطريقة معينة ولا زمن معين ولا مكان معين، بل هي مرهونة بصدق النية وحرية الاختيار.


وهذا على خلاف بشكل كلي من واقعنا. أغلبنا يمارس "شعائر" معينة ويسميها عبادة تحت وطأة العادة وضغط المجتمع والخوف من النار. وهذا هو النفاق والكفر. الكافر ليس من لا يؤمن بما أنا أؤمن به. بل هو الذي يغطي ويخفي ما بداخله بغطاء ممارسات وشعائر معينة زائفة.

لماذا فرقت بين العبادة والشعائر؟ العبادة هو العمل الصالح الذي يقوم به الإنسان بمختلف الوسائل والطرق والأشكال كما ذكرت أعلاه. والشعائر ممارسات توقيفية ثابته ومعروفه يقوم بها الإنسان في كل الملل كتعبير رمزي للعلاقة بين الإنسان وربه الذي يؤمن به. وهي ضد الفطرة البشرية حيث أنها لا تنسجم معها، لذا جاءت كتكليف. والالتزام بها يعتبر واجب شخصي يفرضه الإنسان على نفسه وتؤتى حسب الاستطاعة مع صدق النية. "فاتقوا الله ما استطعتم"، " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".

- عبر التاريخ اختار الله من عباده أنبياء يدعون ويذكرون بتوحيد الألوهية والربوبية، ويأمرون أتباعهم بعبادة الله حسب شريعة الرسول الذي سبقهم. الرسول هو النبي الذي بعثه الله برسالة جديدة "تشريعات" ناسخة لما قبلها من رسالات لكي تتوافق مع الوعي والإدراك الجمعي أو بمعنى آخر لتواكب التطور البشري والحضاري.

- من أهم ما تميزت به نبوة محمد وشريعته هي الخاتمية، وهذا يعني أن الله لن يبعث من بعد محمد نبي. لأن الوعي الجمعي والتطور الحضاري عند الإنسان أصبح قادرا للاستيعاب والانتقال من مرحلة الحاكمية الإلهية إلى مرحلة الحاكمية البشرية، ولن تحتاج البشرية لنبي جديد ليكون كلمة الله في الأرض على عباده عن طريق الوحي.

- أيضا، تميزت رسالة محمد بالعالمية. ولا يمكن أن تكون عالمية إلا إذا توافقت مع الطبيعة البشرية القائمة على التدافع والديناميكية الاجتماعية بسبب الاختلاف والتعددية الذي ينتج عنه التطور الحضاري. والتوافق هذا يدفعنا للإيمان والتسليم بوجود الفهم المتابين والمتنوع للرسالة . ومبدأ العالمية ينافي فكرة الدولة الإسلامية التي ستنحصر في ثالوث الزمان والمكان والفهم الواحد.

- الحديث النبوي ظني الثبوتية وتأثر بالعامل السياسي والاجتماعي قبل التدوين، وهذا شيء طبيعي ومنطقي عند من يفهم في علم الاجتماع. ولا يمكن أن نعتمد عليها لمعرفة ماهية شريعة محمد. لكن يمكن أن نستأنس بها إذا كانت لا تخالف القرآن. أيضا، الحديث النبوي إن صح لا يتميز بالعالمية، بل كان موجها لمخاطبة عقل معين في زمن ومكان معين.

- من خلال القرآن يمكن أن نفهم شريعة محمد ومقتضياتها مع عدم حصرها في رؤية أحادية. الغاية واحدة وهي توحيد ألوهية وربوبية الله والوسائل للوصول إلى ذلك غير محصورة وتعتمد على فهمنا للقرآن.

- الأصل في كل شيء الإباحة إلا ما حرمه الله في كتابه. لذا من يحرم ما أحله الله، ومن يحلل ما حرمه الله هو آثم وتعد على حدود الله وعلى حاكميته. وكل المحرمات ذكرت في القرآن وتحمل طابع الأبدية. وكل ما عدا ذلك خاضع للحاكمية البشرية.

- السنن الكونية عادلة إذا كنا نؤمن بعدل الله. لذا هي تسري على جميع البشر مع اختلافاتهم ومشاربهم وتنوع قناعاتهم. على سبيل المثال: الدول المتحضرة ما وصلت لهذا التقدم إلا عندما أوجدت وخلقت بيئة سياسية واجتماعية وتعليمية واقتصادية حرة وصادقة وعادلة بجانب الجهد والجد.

- من أهم أسباب التخلف الاجتماعي والاخلاقي عند المسلمين هو التبني لقاعدة مختلة وناقصة وضعيفة في وصفنا للشخص المسلم، وهي حديث أركان الإسلام الخمسة. وهذا الاختزال في تصوير الإنسان المسلم ساعد في التساهل وظهور وانتشار مثلا: الغش والكذب وغيرها من الأخلاق. إضافة إلى فكرة ترديد بعض العبارات وصوم بعض الأيام التي يقال أنها تجب ما قبلها وما بعدها من ذنوب! وهذا الاحساس بالثقة أنه مسلم ومن خير أمة لأنه طبق تلك الأركان التي يرتكز عليها إسلامه فهو مسلم لا ريب فيه. نفسيا ولا أراديا أحيانا، يؤدي ذلك إلى التساهل في الأمور الأخرى التي يراها من سفاسف وصغائر الأمور. والله الغفور الرحيم سيغفر له بكل سهولة عن طريق الصيام وترديد بعض العبارات. 

- من أعظم ما أوجدته البشرية هو النظام العلماني. لأن التاريخ يحكي لم تكن هناك حضارة من قبل شهدت هذا التنوع العرقي والديني والطائفي والطبقي مثل ما تتكون منه الدول المتحضرة المتقدمة العلمانية. وبرغم كل هذا الحجم من الاختلاف والتعددية يعيش الجميع بسلام مع الحفاظ على اختلافاتهم بحماية الدولة وقوانينها وهو التشريع البشري أو بمعنى آخر الحاكمية البشرية.  وهذا لا يعني أنه نظام كامل، بل يحتوي على العيوب والنقص مثله مثل أي نتاج بشري.

وأحب التأكيد هنا على نقطة مهمة أيضا، العلمانية ليست دين ولا تقابل الإسلام أو أي دين آخر. بل هو مجرد نظام في شكل إدارة الدولة وآلية التعامل مع مقتضيات الواقع الذي يحمل التعددية والتنوع. والدين شأنه آخر ويختص بعلاقة الإنسان بربه.

- ميزان التفاضل عند الله يوم القيامة قائم على سيرة الإنسان في الدنيا ما ظهر منها وما بطن، وليس على الشعارات التي يرفعها ويعرف بها.