أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

25‏/11‏/2015

قراءة: داعش بين الواقعية الكوسموبوليتية والتنظير الإسلاموي اليوتوبي - محمد الفزاري


مقدمة:

في البداية قبل الخوض في القضية التي أود عرضها، أرى من الواجب علي توضيح بعض النقاط بسبب حساسية الموضوع على الفرد المسلم. حيث تعود الفرد المسلم على قراءة وسماع كل ما هو جميل وبراق عن الإسلام ونفي كل ما هو مسيء له. أيضا بدون شك بسبب ترسخ نظرية المؤامرة في أذهان معظم المسلمين، حتى أصبحوا شديدي الحساسية من كل ما هو يحمل طابع النقد ولو أتى من الداخل. وسيكون هذا بمثابة اتفاق أولي بيني وبين القارئ. وكما يتضح من العنوان، استخدمت مصطلح “الإسلاموي” بدل الإسلامي للتفريق والتمييز بين الآيدلوجيات الإسلاموية التي يتبناها خط الإسلامسياسي والدين الإسلامي. وليس الهدف هنا التقليل من شأن وقيمة الدين الإسلامي بشكل مطلق. في الحقيقة هذا ما ينادي به الكثير من المسلمين عندما يحاولون التأكيد بعدم الخلط بين حقيقة الدين الصحيح ومنتسبيه من الجماعات الإرهابية الإسلاموية بشكل خاص والإسلام السياسي بشكل عام، كما يصرحون.

وهذا المقال ليس غرضه نفي أو تأكيد وجود التطرف في الأديان والطوائف الأخرى. وليس غرضه أيضا نفي أو تأكيد وجود أجندات استخباراتية خلف أي حادثة أرهابية، وحتى خلف ولادة أي مكون إرهابي إسلاموي. لأن كلا السياقين بعيد كل البعد عن قضيتنا الداخلية المحورية. فنقد الأول لا يعالج إشكالياتنا. ومناقشة الثاني والاستسلام لفكرة وجود المؤامرة على الإسلام والدول العربية ما هو إلا إلهاء يبعدنا عن أصل المشكلة. بيد، لو افترضنا جدلا وتجاوزا، أن كل عمل إرهابي خلفه مخطط استخباراتي، لا بد من وجود مفاتيح خاصة تُستخدم لفتح أبواب تلك الأجندة. وإحدى هذه المفاتيح “التطرف الإسلاموي”.

وبعيدا عن التعميم بدون شك، التحرر من الثنائية في نسق التفكير والأحادية المتطرفة في تبني المواقف وإطلاق الأحكام التي لها علاقة بالتنشئة وأساليب التربية والتعليم منذ الصغر، سواء كان في البيت أو المدرسة، يحتاجه البعض. وهذا ما لاحظته في مواقع التواصل الاجتماعي بعد التفجيرات الأخيرة في باريس. حيث للأسف سقط هذا “البعض” في مستنقع الثنائية والتحزب على مستوى قطبين، “هم” و”نحن”. وبدل النظر للموضوع من جانب إنساني بسيط أخذ كلا الفريقان التطرف في أحاديته وتشكيل مواقف وإطلاق أحكام بها الكثير من التعميم. هذه الأحادية تجاوزت حتى موضوع إقصاء الآخر في زاوية معينة ضيقة، فتجدهم يملكون أحادية خطية في مسار معين لا يتنازلون عنها حتى لو كلفتهم التنازل عن مبادئهم وشعاراتهم. ومع هذا أعتقد أن الجميع كان يقول الصواب بنسب متفاوته، لأن هذه هي طبيعة الحقيقة، مثلها مثل ألوان الطيف، قدر ما نراها متمايزة، تبقى متدرجة ومتصلة.

وبعد ذلك الخلاف أو الاختلاف، يعتمد على شخص المحاور، الذي حدث في مواقع التواصل الاجتماعي، سنحاول المقاربة وتحديد أهم منابع التطرف الإسلاموي من وجهة نظر شخصية، تحتمل الخطأ.

ما هي داعش؟ من هو الشخص الداعشي حسب التوصيف الجديد إعلاميا للإرهابي المتأسلم، أو المنتسب للإسلام كما يفضل البعض من المسلمين التوصيف؟ أرى أنه كائن مشوه بعقد نفسية جائت نتيجة عدة عوامل مرتبطة لا يمكن فصلها عن بعض. هذه العقد تدفع بصاحبها لأخذ منحى انفعالي لاشعوري للقيام بتصرفات غير واعية باتجاه الأسباب المكونة والمولدة لتلك العقد. وأرى أن جميع التنظيمات الإسلاموية التي ظهرت بعد الصحوة الإسلاموية تشترك في المكون نفسه. جميع منابعها متشابها التي يمكن حصرها في أربعة أسباب رئيسة:1- استبداد حكام العرب (الاستبداد الداخلي)، 2- استبداد الغرب على الشرق (الاستبداد الخارجي)، 3- طموحات عودة الخلافة الإسلامية المقدسة المزعومة، 4- الموروث الدموي في كتب التاريخ والسنة (والقرآن حسب فهم بعض الفرق الإسلامية). وطبيعة هذه الأسباب المكونة لظاهرة داعش المتداخلة مع بعضها التي يصعب فصلها سواء على مستوى التشخيص أو العلاج، سينعكس على طبيعة المقال كما سيلاحظ القارئ.






بين الواقع الكوسموبوليتي والتنظير الإسلاموي اليوتوبي


أليس الواقع يقول إن أوروبا لم تنهض حتى ظهرت المدراس الفكرية التي تجرأت وانتقدت الكتاب المقدس، العهد القديم والجديد، والكتب التاريخية المقدسة الأخرى، نقدا تاريخيا وفيلولوجيا؟! ورغم العواقب الكارثية التي صاحبت ذلك الخطاب على متبنيه، إلا أن تلك الصدمة آتت أكلها مع الزمن وأفرزت مدارس فكرية تنويرية أكثر إنسانية وأكثر مدنية وعلمانية وعالمية، وانعكس فيما بعد على المستوى العقل الجمعي؛ فوصل المجتمع لمرحلة الإيمان والاقتناع بحرية التعددية الدينية والمذهبية التي سبقت مرحلة ترسخ التعددية السياسية والمشاركة الديموقراطية.

ولهذا لا نتعجب لماذا لم تنجح الديموقراطية والنظم التي تدعي العلمانية في الأوطان العربية، بل في الحقيقة أدت إلى كوارث وتخلف وتراجع أكبر، على خلاف الملكيات التي سبقتها التي صنعت نوعا من النهضة على المستوى الحياتي على أقل تقدير، لو أخذنا على سبيل المثال الحالة المصرية آنذاك، وكانت من إحدى إيجابيات الاستعمار البريطاني الذي أتى -رغم أطماعه الرأسمالية- بمنهجية فكرية أكثر تمدنا كنتيجة طبيعية -كما أراها- لذلك المشروع التنويري الذي تربت عليه الأجيال في بريطانيا وبقية دول أوروبا الغربية.

وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة، ليس للتنوير علاقة بتلك الأطماع الاستعمارية كما يحاول بعض المنظرين الإسلامويين الطعن واهمين بأن هذا النوع من الطرح سيخدمهم وسيقربهم أكثر من حلمهم في مشروع الدولة الإسلامية. فالكثير يحاول أن يقف حجر عثرة أمام أي مشروع تنويري إسلامي بحجة أن التنوير لم يأت إلا بالإستعمار وكان سببا رئيسا للحروب العالمية. مع العلم أن جل ما يحيط بهم من إنجازات على جميع الأصعدة، سواء على مستوى العلمي أو الاجتماعي، ما هي إلا نتيجة لمشروع التنوير وما تلاها بعد ذلك من مشاريع. وهذا الإنجاز يكفي شرفا لمؤسسي فلسفته لمن يريد أن يكون منصفا أولا، والاعتراف برغبة الاستفادة ثانيا؛ فليست هناك علاقة نهائيا بين ما طرحه مؤسسو التنوير والأطماع الاستعمارية وما تلاها من حروب، التي أتت كنتيجة طبيعية لحكم القوي على الضعيف، القانون الواقعي الذي يسود العالم.

وهذا القانون أيضا يجب أن تفهمه الشعوب العربية لكي لا تستغفل من قبل مستبديها، بنظرية المؤامرة وتشغلهم عن المطالبة بحقوقهم، بحجة حماية أمنهم وثرواتهم من المتربّصين. لأن الواقع يقول ما زال العربي/المسلم يعيش خدعة المؤامرة الكونية التي يصورها الإعلام العربي الحكومي في أشكال ووسائل مختلفة من البروبجاندا، كأحد وسائل الإلهاء عن القضايا الكبرى الداخلية، والتجييش نحو فكرة وهمية غير موجودة واقعيا إلا في عقل مدبريها. وأرى أن الواقع العملي جدا مختلف؛ فقانون الغاب هو سيد الواقع، والدول القوية عتادا واقتصادا تسيطر بشكل مباشر وغير مباشر بالدول الأخرى الأضعف، وتبحث عن مصالحها حتى خارج حدودها الجغرافية، وحتى لو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة وحرمة الآخر من الدول والأمثلة كثيرة والتاريخ يشهد. وآخر مثال على ذلك لو تناولنا الجانب الإعلامي من حقيقة الواقع، مدى النفاق الذي تعاني منه الوسائل الإعلامية الغربية نحو القضايا العربية والإسلامية! وهذا ما انتقده الكثير من المتابعين في مواقع التواصل، لكن هل هذا يعطينا الحق إنسانيا أن نصرح بكل سهولة ورضى: هذا ما اقترفته أيديهم، يأكلون مما زرعوا؟!

لذا عمليا، بدل تجييش الشعب نحو فكرة وهمية ليبقى أسيرا لها، لتأخذ السلطة راحتها متزعمة ذلك الشعب تحت وطأة الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية والرؤية الاقتصادية بحجة الممانعة والتصدي للمؤامرة، على الدولة الضعيفة أن تقوي نفسها من الداخل؛ فتعزيز فكرة المواطنة وقوة التعليم والإعلام وانتشار العدالة الاجتماعية ووجود رؤية اقتصادية هو أفضل دفاع وحماية لأي دولة من أي عدو متربص.

نظرية المؤامرة سمعناها اليوم، وبالأمس أيضا، في تفجيرات السعودية الأخيرة. ورغم أني لا أبرئ ساحة داعش أو إيران أو أي عمل استخباراتي آخر بالمطلق، وأقول بدون شك هناك احتمالات في ضلوعهما في التفجيرات. لكن في ذات الوقت، لولا وجود الأرض الخصبة لانتشار مثل هذه الأفكار الطائفية والإرهابية العفنة؛ لما استطاع العدو الخارجي بسهولة أن يتوغل بين النسيج السعودي، هذا لو افترضنا أن هناك عدوا خارجيا. من ينكر اللهجة التكفيرية الدونية التي يتبناها كل، وتجاوزا سأزعم هناك استثناءات، مشائخ الوهابية السلفية ضد مواطنين يحملون الجنسية نفسها والحقوق ذاتها، المواطنين الشيعة، أو الروافض كما يحلو لمشايخ الوهبية تسميتهم!

لذا في كل الاحتمالات الثلاثة الواردة فيمن يقف خلف هذه التفجيرات، وأعني هنا: إرهاب إيراني، إرهاب داعشي، إرهاب آخر، يعود سببها جميعا هي المدرسة الوهابية التي انتجت كل هذا الحقد الداخلي والعفن الطائفي، وفرخت عناصر داعش وقبلها القاعدة وطالبان وغيرها الكثير من النباتات السامة. وبسببها أيضا، تبنت موقف العداء المتطرف من الدولة الإيرانية الصفوية، التي طبعا لا أبرئ ساحتها أيضا في مساهمتها في هذا الخلاف الطائفي المقرف، وهذا السرطان الذي لم يذهب ضحيته إلا الإنسان المواطن. وكلي أمل ورجاء أن تذهب بسببه العروش المستبدة والعمائم والبشوت غير الإنسانية قريبا، ليأكلوا ما صنعت أَيديهِم وعقولهم المسكينة المريضة. وأولها النظام الديني والسياسي السعودي الذي أزعم أنه أصل الشرور في المنطقة، إنه زواج شيطاني لم يخلف إلا كل شر سواء على مستوى الداخل أو الخارج.

أيضا من الأمثلة المهمة على الاستبداد الداخلي والخارجي في آن واحد، ما حدث في العراق بعد سقوط بغداد. استبداد الحكومة العراقية الشيعية المدعومة من إيران على المكون السني العراقي. أيضا، لا يمكن أن نتجاهل ما قامت به أمريكا من عبث واستهتار عن طريق احتلال غاشم الذي ساعد مع الأول بتشكيل داعش بشكل مباشر كردة فعل نفسية تغذيها أفكار دينية متطرفة. وكلنا يعلم أن النسيج الذي تتكون منه التنظيمات المتطرفة مثل داعش والقاعدة وغيرها الكثير من التنظيمات هو من الطائفة السنية الوهابية أو المتأثرة بشكل كبير بهذا الفكر.

نقترب إلى الواقع العماني لنستخدمه كمقياس للتأكد من صحة ذلك الادعاء. ألم نسمع عن المواطنين العمانيين الذين غرر بهم وذهبوا للجهاد إلى أفغانستان وسوريا ولبنان. البعض منهم قتل، والبعض منهم ما زال متواجدا على أرض الجهاد، كما يؤمنون، أو رغما عنهم بعد معرفتهم لحقيقة خدعة الجهاد، والبعض الآخر تمكن من الفرار والرجوع إلى أرض الوطن وهم يشكرون الرب على تمكنهم من الفرار! هل نعلم أن الغالبية العظمى إذا لم يكن جميعم من ذهبوا للجهاد يقطنون جغرافيا محافظة الباطنة -محافظة الباطنة متأثرة أكثر من غيرها بالفكر الوهابي-، ومتأثرون بشكل مباشر بالفكر الوهابي إما عن طريق أحد أقاربهم أو أصدقائهم من المتشددين وإما بدرس مباشرة في حلقات التطرف والتشدد وغسيل المخ في السعودية وانتشى بالفكر الوهابي! وإذا كانت هناك حالات تختلف فهي شاذة جدا.

السؤال لماذا الفكر الوهابي دون غيره؟ هل حقا الفكر الوهابي يختلف عن غيره من المذاهب والعقائد فكريا؟! وعلى الرغم أن معظم المسلمون يشتركون في الموروث الديني نفسه تقريبا إلا أن أيا من المذاهب لم يُؤصل للدم والتطرف كما فعل الفكر الوهابي. فنواقض الإسلام العشرة لمحمد عبدالوهاب تأصل للتطرف وإسالة الدماء بقلب بارد تطبيقا للدين والقرآن كما يعتقد. مع العلم أن جميع استدلالاته لهذه النواقض من القرآن!

وما زاد الطين بلة وساهم أكثر في تخلف الدول العربية الزاعمة للديموقراطية. الصحوة الإسلامية التي صاحبت قيام الدول الديموقراطية الزائفة، وأعني هنا بالزائفة أنها أختزلت الفكر الديموقراطي في صندوق أجوف يجر الناس له جرا لتلقيمه أصواتهم، وهذا بخلاف الخلفية التاريخية لولادة مفهوم الديموقراطية كما ذكرت أعلاه. حيث ساهمت الصحوة الإسلاموية في عودة الفكر الكهنوتي القروسطي من جديد، الذي يدعي الحقيقة الدوغمائية المطلقة ومحاربة خيارات التعددية الدينية والمذهبية، والمشروع الوطني ومحاولة الاستبدال به نظاما قديما عليه أكثر مما له وهو دولة الخلافة الإسلاموية أو دولة الرب بالمعنى الحرفي الدقيق. رغم أن فكرة تأسيس دولة إسلاموية ينافي فكرة العالمية التي تذكرها الأدبيات الإسلامية أنها من أهم مميزات الرسالة المحمدية. حيث لا يمكن أن تكون عالمية إلا إذا توافقت مع الطبيعة البشرية القائمة على التدافع والديناميكية الاجتماعية بسبب الاختلاف والتعددية الذي ينتج عنه التطور الحضاري. والتوافق هذا يدفعنا للإيمان والتسليم بوجود الفهم المتابين والمتنوع للرسالة. وفكرة الدولة الإسلاموية تنافي مبدأ العالمية التي ستنحصر في ثالوث الزمان والمكان والفهم الواحد.

ولهذا ليس من المستغرب أبدا عندما نسمع خطيبا في منبر صلاة جمعة، في دولة غربية احتضنته وأنفقت عليه ووفرت له الأمان وسمحت له في بناء منبره وممارسة شعائره بكل أريحية وأعطته مساحة من الحرية لا يحلم بربع ربعها في بلده الأصلي، يقول: “نحن في دار كفر”، رغم الحياة الديموقراطية والعلمانية والتعددية الدينية والسياسية التي تحيط به وينعم به من خيراتها! وكم شهادنا في التلفاز سابقا من احتجاجات واعتصامات تحمل الطابع الإسلاموي الأصولي نفسه في دول غربية أيضا، يطالبون فيها بتطبيق شرع الله وتكفير الدولة التي آوتهم وسمحت لهم بذلك الاحتجاج!

أعود للحاضر القريب من بوابة تونس لطرح تساؤل حول أسباب نجاح الربيع العربي بشكل أكبر وأقل خسائر في الأرواح وماديا، في تونس أكثر من غيرها من الدول العربية الأخرى التي مرت بالظروف نفسها. لا يوجد شيء يأتي من فراغ؛ فأي باحث مبتدئ يستطيع بشكل واضح أن يلاحظ أن المجتمع التونسي مختلف جدا على سبيل المثال عن المجتمع المصري والليبي، من حيث نوع التعليم وفي نسبة تفشي الأمية القديمة، القراءة والكتابة، واحتكاكهم بالحضارة الغربية. والأهم والواضح مدى عقلانية حركاتهم الإسلاموية تقريبا. فلو قارنا على سبيل المثال بين إخوان مصر وإخوان تونس فسنجد هناك بونا شاسعا فكريا وسياسيا. فعلى مستوى المجتمع نجد رجل الشارع المصري والليبي محاصرا بالفكر السلفي حتى في معاملاته اليومية، بيد أن المجتمع التونسي نجده في الغالب مجتمعا منفتحا ويميل للعلمانية أو المدنية في نسق التفكير. وهذا انعكس على مستوى مشاريعهم الإسلاموية التي تميل بشكل كبير للعقلانية وعلمانية النهج. وهذا الواقع التونسي مهد بشكل أكبر لنجاح تجربتهم وحصولهم مؤخرا على جائزة نوبل للسلام.

أليس هذا الواقع التونسي كافيا ليؤكد مدى الحاجة لوجود فكر ديني متجدد يلامس متطلبات الواقع ومواكب لركب التطور البشري خاصة على مستوى العقد الاجتماعي؟! وفي الحقيقة لا أنكر أنه ما زال المشوار طويلا أمام تونس. وكما يقول التاريخ، ليس من الضرورة أن يستمر التقدم على مستوى ثابت متصاعد، سيكون هناك تراجع أحيانا للخلف ثم الانطلاق مرة أخرى للأمام.

هذا بخلاف المشاريع الإسلاموية أو الإسلامسياسية الأخرى التي فشلت بالنهوض بعالمنا المتخلف للحاق بركب الحضارة. وهذا يعود لسبب واحد رئيس فقط هو أن كل هذه المشاريع لا تحاول علاج أصل المشكلة في الحقيقة، بل تعمد إلى العكس، في تأسيس وتأصيل فكر أعمى متخبط لا يرى أصل المشكلة، فكر يسور أصل المشكلة بجدران من التقديس. حقيقتها المطلقة الوحيدة أن الأتباع يرثون المقدس، ويقدسون الموروث، ويورّثون المقدس، كحقائق مطلقة. متجاهلين أن مرحلة بناء أي فكر جديد يلامس حاجات الواقع تسبقه مرحلة التفكيك والنقد والهدم لجميع الركائز الفكرية المكونة للعقل الجمعي بلا استثناء ، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة البناء.

وهذا يدعونا لتبني -بوضوح- موقف الحاجة الملحة للنقد التاريخي والفيلولوجي الذي يطبق على القرآن قبل الحديث والسيرة النبويّة والتفاسير، بحكم أنه المصدر الأول للتشريع الذي يحمل طابعا قطعي الثبوت عند جميع المسلمين والذي يمكن من خلاله أن تبدأ مرحلة الانطلاق والنهوض والتنور من الظلام، كما يعكسه الواقع ، بعيدا عن تنظيرات الإسلاموية اليوتوبية التي تحاول الاستئثار بالله عن الأديان الأخرى بفاشية استعلائية عن طريق فكرة خير أمة أخرجت للناس، وعن المذاهب الأخرى بشيزوفرينية مقيتة أخرى عن طريق حديث الفرقة الناجية. أخيرا أقولها بأعلى صوت: نحتاج إلى حلول ناجعة وشجاعة.


*نشر المقال في مجلة مواطن في العدد 24، تاريخ 25 نوفمبر 2015

17‏/11‏/2015

الباحث منصور المحرزي: السلطة اختارت تدمير الوعي السياسي عبر هذه الممارسات - محمد الفزاري

تتصاعد الدعوات في دول العالم لمنح الأفراد حقهم من الثقافة السياسية التي تسمح لهم المساهمة في عملية صنع القرار وتجاوز الإشكاليات الثقافية نحو مشاركة سياسية مهمة. فما تحديات انتشار الثقافة السياسية في السلطنة وما دور الإعلام والنخب في ذلك؟. تحاور مواطن الباحث والكاتب منصور المحرزي–باحث في القضايا السياسية ومؤلف كتاب الدولة والمجتمع في عمان– حول تحديات ومآلات الوعي السياسي في سلطنة عمان.


  • الثقافة السياسية والفهم الصحيح الذي يأخذ بعين الاعتبار جميع مجريات الاجتماع السياسي هو الذي يبني وعيا لأي نخبة ثقافية
  • بدون إيجاد قاعدة انطلاق للثقافة السياسية في عُمان سيكون من المبكر جدا الحديث عن مجتمع مدني
  • تخلف الوعي السياسي في عُمان يشمل الدولة والمجتمع
  • السلطة في عُمان بحكومتها الرشيدة هي الغالبة والمنتصرة، والمثقفون هم المحاصرون والمقيدون
  • في عُمان تتم حماية النظام “لا المجتمع ولا الدولة “
  • الاستبيان هو الشكل الآخر لتقصي حقيقة الوعي السياسي وقد وضع في خانة التهديد الأمني
  • الوعي السياسي كثقافة لدى المثقفين غير مكتمل حيث ينقصه معرفة الأداء العملي الواجب اتباعه في التعامل مع السلطة
  • أحداث واحتجاجات 2011، أدت دورها بكشف الحقائق وانتشارها بين أفراد المجتمع
  • قامت الجهات الأمنية بتأمين احتياجات الحكومة الرشيدة وانتصرت لها وفاز مرشحوها في انتخابات الشورى بعد إقصاء المتحفظ عليهم أمنيا في خطوة استباقية
  • إن النظام الحالي في المملكة المغربية أحد النماذج التي يمكن الاستفادة منها كخطوة أولى للتغيير السياسي نحو إقامة نظام ديمقراطي متكامل في عُمان
  • الشباب في سعيهم لتحقيق العدالة اصطدموا بجهاز السلطة الذي اتضح أنه يعمل على السطح وفي الخفاء: دولة ظاهرة ودولة عميقة


  1. ماذا يعني لك مصطلح الوعي السياسي؟
قبل أن نتحدث عن وجود نقص في الوعي السياسي في المجتمع العماني، علينا أولا أن نوضح على  أن الدولة والمجتمع يعانيان من نقص معرفي على نطاق واسع يشمل جميع القطاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، مما جعل الجميع في حالة تخلف واضحة المعالم .
والوعي السياسي هو الثقافة السياسية التي يعمل السياسيون بموجبها لتأسيس بنيان الدولة الحديثة، فالديمقراطية بنيان سياسي للدولة وهي تشمل أيضا الممارسة السياسية للمجتمع، ولكن في عُمان ُيدلّسونْ على الجميع بقولهم أن تجربة ما يسمى الشورى هي ديمقراطية وينشرون تدليسهم على صفحات الصحف ويهدرون بذلك صبح مساء في أبواق الإعلام، وهو إرهاب مسلّط على كل الذين يدعون بخلاف ذلك، مما أدى إلى تزييف الوعي أو إلى تدجين جل قطاعات المجتمع لفهم قاعدة واحدة توجب الاتباع وهي: أن نظامنا السياسي القائم على الشورى هو الأمثل وأن الدمار والاندثار والإرهاب هو البديل إذا ما فكرتم بنظام الأحزاب الذي يأتي بالحرية أو العدالة والدفاع عما تسمونه حقوق الإنسان وهذا لسان حال السلطة الذي تبدأ به في نشر ثقافة التخلف والتي هي بالضرورة مستبدة وشرسة ، وكما وصفها د. غالي شكري بأنها دكتاتورية التخلف العربي .
  1. ما أهمية الوعي السياسي، وهل له دور في معرفة مقتضيات الواقع؟
إن الثقافة السياسية والفهم الصحيح الذي يأخذ بعين الاعتبار جميع مجريات الاجتماع السياسي هو الذي يبني وعيا لأي نخبة ثقافية يمكن أن يعول عليها المجتمع لانتشاله من حالة التأزم والتردي والجمود الحالية في الدولة فبدون هذا النوع من الوعي يغدو مقارعة السلطة وتفنيد ادعاءاتها والمسلمات التي تنشرها في الصحافة والاعلام صعبا بل مستحيلا، حيث نلاحظ على أن السلطة في عُمان ما زالت قادرة على إحراج الطرف المثقف عند المقارعة، وهذا ناتج عن نقص معرفي  وانعدام مؤسساتي أو حتى تجمع ثقافي فاعل ومنتج يؤدي دورا في إعداد دراسات عن الواقع السياسي في عُمان بكل تجلياته خارج الأطر والقيود التي تضعها السلطة، فبدون إيجاد قاعدة انطلاق للثقافة السياسية في عُمان سيكون من المبكر جدا الحديث عن مجتمع مدني فما زالت الدولة في عُمان وباقي الدول العربية غير معنية بهذه القضية وتقوم بتصعيد عمليات المواجهة والرفض والمحاصرة لهذه المشاريع، بحيث يدلنا الواقع على أن طريق النضال لتحقيق ذلك صعب ومرير .
  1. هل يصح أن نقول أن المجتمع العماني لديه أميّة سياسية أو تراجع في الوعي السياسي؟
إن تخلف الوعي السياسي في عُمان يشمل الدولة والمجتمع، بحيث ستُصدمْ من أن شخصا يسبق اسمه لقب دكتور ويحتل منصبا رياديا في مؤسسة رسمية يبرر لمناقشيه شكل نظام الحكم في عُمان بادعائه أن الواقع العام في المجتمع العماني هو الذي يحتم أن يبقى هذا النظام على هذه الهيئة فلا يصلح من وجهة نظره وبالمطلق أن يؤسس لنظام سياسي قائم على الأحزاب شبيه بما هو موجود في الدول الغربية. نعم هناك الكثير من أصحاب الألقاب حاليا في عُمان ولكن هم أقرب للممارسة الأمنية التي نراها من تلك المؤسسات المعنية بذلك منه إلى دور المثقفين الرائد في مجتمعاتهم، حيث يغدو دورهم معاونا وشريكا في التأسيس للتخلف والمواظبة عليه.
  1. هل تعتقد أن نخبة المجتمع العماني متمثلة بالكتاب والمثقفين والإعلاميين تمتلك الوعي السياسي، وما هي إشكاليات الوعي السياسي بين النخبة؟
هناك قلة قليلة من النخبة المثقفة في عُمان الذين يمتلكون وعيا سياسيا صحيحا، ولكن تأثيرهم قد تم تحجيمه وبتره أولا بأول، والمواجهات الحاصلة في حلبة الصراع ما بين السلطة والمثقفين، وما رشح من وقائع فعلية على ميدان النزال في هذا النطاق يدلنا على أن السلطة في عُمان بحكومتها الرشيدة هي الغالبة والمنتصرة، والمثقفون هم المحاصرون والمقيدون ومن يرفع رأسه كثيرا عن “السقف المحدد” يودع السجن أو في أحسن حال يلوذ بالفرار ليغدو لاجئا سياسيا في دولة ما.
أيضا، إن ممارسة الحقوق السياسية للأفراد، بشكل عام، في دولهم تتعلق بسقف المسموح والممنوع منها والذي تحدده الدولة، فالمثقفون في عُمان مقيدون في ممارستهم السياسية التي يهدفون بها إلى التغيير والإصلاح لذا فهم محبطون و مستكينون، وعموما فإن الوعي السياسي كثقافة لدى هؤلاء المثقفين غير مكتمل حيث ينقصه معرفة الأداء العملي الواجب اتباعه في التعامل مع السلطة بهدف تحقيق التغيير والإصلاح وهي تقنيات سياسية لا تعلم أو تدرس في أي جامعة في العالم بل تكتسب من نماذج سياسية في الدول سواء كانت مؤسسات أو أفعال واقعية لها تأثير سياسي واضح .
  1. ما هي الآثار المترتبة على غياب الوعي السياسي في عمان وكيف يمكن تقييمه؟
شكل وهيئة المؤسسات في الدولة وكيفية اشتغالها يدلنا على أي نوع أو نمط من الوعي السياسي الذي تمشي بموجبه الدولة، ففي عُمان تتم حماية النظام “لا المجتمع ولا الدولة”، والنظام هنا مجموعة من الرسميين والرأسماليين ذات مصالح ومنافع مشتركه تستفيد هي وأبناؤها ومعارفها من هذا الاتجاه التي تمضي به الدولة، لذلك هم يحرصون على الدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة فيستغلون هنا ويفسدون هناك ويقدمون المساعدة لمعارفهم لإنقاذهم من استحقاقات قانونية وهكذا.
الاستبيان هو الشكل الآخر لتقصي حقيقة الوعي السياسي وقد وضع في خانة التهديد الأمني إذا ظهر على أرض الواقع وهو أمر مكروه وملاحق في الدول العربية خاصة إذا كان في مساق الاجتماع السياسي.
  1. هل تعتبر أن استجابة السلطان لبعض مطالب أحداث 2011 قد حقق فاعليته خلال السنوات اللاحقة؟
أحداث واحتجاجات 2011، أدت دورها بكشف الحقائق وانتشارها بين أفراد المجتمع، حقائق عن الفساد أصبحت في دائرة معرفة قطاع واسع من الشباب. ولكن في سعيهم لتحقيق العدالة اصطدموا بجهاز السلطة الذي اتضح أنه يعمل على السطح وفي الخفاء: دولة ظاهرة ودولة عميقة، فبدا لهم أنهم قد حققوا غاية ما ظاهريا ولكن سريعا ما بدأت آلة الدولة العميقة في احتواء كل ما بدا لهم أنه واقع يتغير، ولم تتوانَ كلا الدولتين في التعاون من أجل الانتصار للحكومة “الأمنية” في كل المواجهات في الشوارع وفي المؤسسات والشورى وعلى الشبكة وبمنع الكتب والتحقيق مع الكتاب وترهيبهم إلخ. فأينما تواجد دور لهؤلاء الشباب المحتجون أو المثقفون جرى تصفية هذا الدور، وقامت الجهات الأمنية بتأمين احتياجات الحكومة الرشيدة وانتصرت لها وفاز مرشحوها في انتخابات الشورى بعد إقصاء المتحفظ عليهم أمنيا في خطوة استباقية.
  1. كباحث متابع للشأن السياسي العماني ومهتم بمصير بلده ومستقبلها، ما هي قراءتك السياسية للمرحلة القادمة وخاصة فترة شغور منصب السلطان؟
لا توجد مشكلة عويصة لدى النظام في مسألة الانتقال إلى سلطان جديد وهم قد رتبوا لذلك جيدا واتخذوا ما يلزم أمنياً، وعموماً السلطان جاهز لاختياره.
إن المطالب الشعبية التي تهدف إلى التغيير والإصلاح والتي جاءت كنتيجة للاحتجاجات في 2011م هي مازالت قائمة وصالحة مع الحرص على تقاسم السلطات ما بين السلطان ورئيس الوزراء المنتخب من الشورى بالكيفية التي تعطيه صلاحيات كاملة في اختصاصات الحكومة بمجملها، إن النظام الحالي في المملكة المغربية أحد النماذج التي يمكن الاستفادة منها كخطوة أولى للتغيير السياسي نحو إقامة نظام ديمقراطي متكامل في عُمان ولكن مسألة الأحزاب ستبقى في دائرة الممنوع لدى السلطة في عُمان فإن لم تقتنع بها كمحور أساسي لإقامة مجتمع مدني حقيقي يبقى الكلام عن التغيير هذراً لا طائل منه، وعموما النماذج السياسية كثيرة لكي نفهم ونعي مطالبنا إزاء التغيير الذي يحلم به العمانيون.
يجب أن نعلم ونعي أن للحكومة وزارات عديدة في عُمان، ولكن الشعب ماذا لديه؟ فالشورى والدولة هما أيضا للحكومة وهذه حقيقة واقعة، ليبقى الشعب بلا مؤسسة لذا نرى أن الصراخ والعويل بطلب النجدة والعدالة مهما اتخذ من صور وأشكال لا يصل بل يقاوم ويقهر ويدان لأنه فردي يسهل الاستفراد به وكذا أعضاء مجلس الشورى .. أفراد يسهل “القضاء عليهم” فيودعوا في السجن .
حاوره: محمد الفزاري

14‏/11‏/2015

حوار مع نبهان الحنشي: الصوت المعارض أينما كان تهمة التخوين ستلاحقه.. وفكرة التمويل الخارجي فكرة سخيفة - محمد الفزاري

نشر الحوار في مجلة مواطن تاريخ 10 نوفمبر، 2015.









في الــ 11 من ديسمبر 2012، قرّر الكاتب والناشط الحقوقي نبهان الحنشي، الخروج من عمان حيث توّجه إلى بيروت، مستبقا حكم الاستئناف بيوم، والذي أيّد حكم المحكمة الابتدائية السابق في قضية الإعابة بالسجن والغرامة. استمرّ نبهان في نشاطه الحقوقي وكذلك السياسي، وأسّس في بيروت منظمة حقوقية مستقلة، غير ربحية ولا مدعومة، وهي المرصد العماني لحقوق الإنسان، الذي أصبح اليوم أحد المصادر الرئيسة غير الحكومية لنقل كافة الأخبار والانتهاكات الحقوقية. اليوم يعيش الحنشي في المملكة المتحدة، بعد أن انتقل إليها في يناير 2014. نقوم معه بهذا الحوار حول ما كان وما سيكون.

  • سلطة “الفرد” الواحد في أي بلد، تعني تصاعد دور المؤسسة الأمنية. وعادة يكون خفيا ثمّ يبدأ بدوره العلني تحت حجج كثيرة، أهمها حفظ أمن البلد.
  • وجودي في الخارج، لا يعني مطلقا أنني لا أدرك أن حقيقة أي تغيير تبدأ من الداخل.
  • أصوات التغيير غير منظمة وتعمل بصورة فردية، في حين أن فكرة التغيير عملية متكاملة.
  • الأصوات المعارضة في الخارج التي استطاعت تأمين سلامتها حققت خطوات مهمة في العمل الحقوقي.
  • الصوت المعارض سواء كان في الداخل أو في الخارج تهمة التخوين ستلاحقه.. وفكرة التمويل الخارجي فكرة سخيفة.
  • سحب الوثائق الرسمية، التي بدأ اتباعها ضد الناشطين في عمان، أشبه بسحب الجنسية.
  • نظام “الفرد” أفرز شريحة عريضة/ واسعة من المجتمع تعتقد أن انتقاد النظام خيانة، أو انتقاد رأس النظام شبية بالانقلاب!
  • الصوت المعارض سواء كان في الداخل أو في الخارج تهمة التخوين ستلاحق. وفكرة التمويل والدعم فكرة سخيفة.
  • لا أتوقع في ظل السلطان الحالي سيستحدث منصب رئيس الوزراء ولن يمنح مجلس الشورى الصلاحيات التشريعية والرقابية.
  • مثقفو السلطة يعملون على مساعدة السلطة في تضليل الشعب وإلهائهم عن القضايا الأساسية بواضيع تافهة.
  • سياسة السلام الخارجية التي تتبعها السلطة هي سياسة توسّط وليس وسطية، مما يعني عدم جدواها في غياب المعضلة.
  • من أهم الأخطاء التي يرتكبها الناشطون هو انتشار التخوين والتشكيك فيما بينهم، وبعضهم لا زال يعتقد أن العمل الإصلاحي حق حصري لنخبة معينة.




1- لماذا خرجت من عمان؟

لا أعتقد أن سؤالا كهذا يحتاج إلى إجابة، خاصة في الوقت الراهن. قراءتي للوضع قبل الاعتقال وأثناء فترة السجن، هي أن الأوضاع ذاهبة من سيئ إلى أسوأ. لأن سلطة “الفرد” الواحد في أي بلد، تعني تصاعد دور المؤسسة الأمنية، الذي عادة ما يكون خفيا ثمّ يبدأ بدوره العلني ببجاحة تحت حجج وأعذار كثيرة، أهمها حفظ أمن البلد. ولست نادما مطلقا على هذا القرار.



2- هل تعتقد أن فكرة العمل من الخارج ستحقق ولو جزءا بسيطا من الفكرة العامة التي تسعى إليها؟
وجودي في الخارج، لا يعني مطلقا أنني لا أدرك أن حقيقة أي تغيير تبدأ من الداخل، ولكن مع هكذا ظروف لا بدّ وأن نجد نواة عمل حقيقية. هناك أصوات عديدة، بعضها أقوى من غيرها تتميز بقوّة المنطق وسلاسة الفكر، وبعضها الآخر متفاوت. ولكن كل هذه الأصوات تعاني من عدة أشياء، مثل:
عدم التنظيم؛ كل طرف يعمل بصورة فردية، في حين أن فكرة التغيير عملية متكاملة، أو لنقل أنها تكمل بعضها البعض. سياسيا اقتصاديا اجتماعيا تعليميا…إلخ.
ضغوطات السلطة والمجتمع، ولعل ما نراه اليوم من تحقيقات أو احتجازات مستمرة ضد كل ناشط أو كاتب أو حتي مواطن عادي جدا. كذلك شريحة عريضة واسعة من المجتمع، ترى الصواب في ما تقول عنه “السلطة” صوابا، ولا تعطي لنفسها الفرصة للتفكير والتجربة.

وغيرها من العوامل الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية. بالتالي هذا وحسب رأيي، يتطلب جهودا من أطراف وطنية ولكنها في الخارج، تستطيع تأمين أمنها وسلامتها والحفاظ على تواجدها خارج المعتقل، مع الحفاظ على صلة ربط وتواصل داخلية. أستطيع أن أقول، من الناحية الحقوقية ولدرجة ما استطعنا فعلا تحقيق خطوة مهمة في هذا الجانب، من ناحية العمل السياسي، تقديم الآراء وانتقاد السلطة ومركزيتها كذلك دون انقطاع، أعتبره عملا ذا أهمية، مهما اختلف تقييم الآخرين له في الداخل، وهو ما سوف يؤسس لاحقا لمنهجية عمل أكثر قوة وثقة، متمردة على عبارات المديح والمجاملات وكل أسوار الوهم التي بنتها السلطة بتأييد من المجتمع، والتي أحيانا يبنيها المثقف بنفسه حول نفسه.

كذلك لا تنس خطوة سحب الوثائق الرسمية، التي بدئ اتباعها ضد الناشطين في عمان، وهذا أشبه بسحب الجنسية! حرمانك من السفر والتنقل خارج بلدك أصبح اليوم أسلوبا ناجعا تتبعه السلطة لتكميم أفواه الناشطين والسيطرة عليهم.


3- ماذا عن فكرة التخوين أو التمويل من الخارج التي تتداول في مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات معينة وتستهدف كذلك أشخاصا معينين؟
حتى وأنت في الداخل تهمة التخوين ستلاحقك، أما مسألة التمويل، لذلك أجده أمرا سخيفا جدا، فالتمويل عادة يتبعه برنامج عملي وطرح “بديل” لشكل السلطة نفسها. ناهيك عن الأمور الأخرى التي تتطلب ماكنة إعلامية ضخمة وظهورا إعلاميا بارزا متكررا، كل هذه الأمور لم تحدث، ولن تحدث. الأفكار التي أطرحها وأناقشها، أفكار لمواطن عماني يرى أن له الحق في اختيار حكومته وممثليه، ويرى أن له الحق بمحاسبة المسؤوليين، ويرى أن له الحق في أن يكون شريكا في صناعة القرار. لكن وللأسف، مثلما يعتقد الطائر الذي قضى عمره داخل قفص، بأن الطيران جريمة. من ناحية أخرى، أرى أن الأمر فيه نوع من التحامل والانحياز المطلق اللاواعي للسلطة، وعدم احترام الرأي الآخر.


4- ما الأهداف الرئيسة التي تسعى إليها في نشاطك، مستفيدا من فكرة خروجك وابتعادك عن “خطر الاعتقال أو فقدان الجنسية أو سحب الوثائق” على حد تعبيرك؟
إلغاء الملكية المطلقة أحد أهم الخطوات الواجب اتباعها، عبر فصل السلطات وتحديد صلاحيات السلطان -مهما كان هذا السلطان-، والتأسيس لسلطة تشريعية قوية خارج تحكم السلطان، بالإضافة إلى تأسيس محكمة دستورية. مع التشديد على مراقبة دور وعمل المؤسسات الأمنية والتخفيض من نفقاتها وما تبع ذلك من برنامج اقتصادي.

الملكية المطلقة التي يتبعها النظام اليوم في شكل إدارته للدولة، قدمت ولا زالت تقدم الحاكم وكأنه القائد “الأب”؛ والشعب أبناه! فكرة سخيفة تُستخدم عادة من أجل تمرير السياسات وتذويب الشعوب وإلهائهم. ومن وجهة نظري، منصب السلطان بهذا الحجم الكبير من الصلاحيات والمسؤوليات، وفق شكل الملكية المطلقة اليوم، هو جزء من المشكلة، وليس جزءا من الحل. سياسات هذا النظام في الداخل أثبتت مدى تعسفيتها، وأنه يتعامل مع البلد وكأنه “مزرعة” أو قطعة “أرض موروثة” بمن عليها. وأعني بـ”جزءا من المشكلة”، أن شريحة عريضة من المواطنين ينتظرون أمام كل قرار حكومي لا يعجبهم تدخلا صارما من مركز السلطة الفرد، في حين أن الأزمة هي في مركزية السلطة متمثلة في ذات الفرد، ذلك أنه هو نفسه السلطة التنفيذية والتشريعية.


5- كونك أحد المشاركين والفاعلين في حراك 2011، والمتضررين كذلك من حملات التشهير والاعتقالات لاحقا، هل هناك ما تعلمتموه من هذه التجربة؟
كل ما أستطيع قوله، أنني لا زلت في طور التجربة، إن لم أكن في بداياتها. أمّا بصورة عامة، فأعتقد أن هناك أخطاء عدّة ارتكبت ولا زالت ترتكب من الناشطين أو الإصلاحيين أنفسهم، التخوين والتشكيك لا زال موجودا بينهم، بعضهم لا زال يعتقد أن العمل الإصلاحي حق حصري لنخبة معينة، البعض يرى أن أسلوبه هو الأصح والواجب أن يتبع… إلخ. ما لم يتم الوقوف على كافة هذه الجوانب صراحة والتخلّص من تبعاتها، فلا أعتقد أن العمل الإصلاحي سيكون له نواة يبدأ منها عمله ولو حتى آجلا.


6- ماذا عن حقوق الإنسان في عمان، خاصة وأنك تدير المرصد العماني لحقوق الإنسان الذي أنشأته فترة وجودك في بيروت فبراير 2013؟
لا تحدثني عن حقوق إنسان في بلد لا يحترم شيئا اسمه الاختلاف، ولا يحترم حرية الآخر في التعبير عن رأيه، ولا توجد لديه حرية تعبير أو نشر. والمؤسسة الحقوقية الوحيدة المتواجدة داخل عمان، هي مؤسسة حكومية بحتة، بل وثبت في مرّات عدّة فشلها الذريع في أن تكون محايدة، خاصة بعد أحداث 2011، واعتقالات 2012، وقضية “غضفان”، وغير ذلك من القضايا التي ثبت أن هذه المؤسسة ما هي إلى مزمار حكومي للحفاظ على المظهر الخارجي فقط.

اليوم ووسط حالات الاعتقالات وسحب الجوازات وأحكام السجن على ناشطين وكتّاب، أستطيع أن أقول إن عمان بلد ليس حرّا، وحالته الحقوقية متردية، خاصة ونحن نرى تمادي يد المؤسسة الأمنية دون رادع، وانتهاكها لكافة حقوق الناشطين، حتى دون الحاجة إلى توضيح سبب الاعتقال، أو الاعتقال بطريقة قانونية رسمية، كذلك المعتقلات السرية التي أصبحت تحديا حقوقيا جديا، لم يتطرق إليه أحد إلى الآن، لا الصحافة الأهلية الورقية والإلكترونية، ولا مجلس الشورى، ولا حتى المؤسسة المعنية بالحقوق -اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان-، بالتالي، ما الذي يعنيه هذا الأمر؟!


7- نشرت في “مواطن” مقالا عن النظام الأساسي وقدمت فيه شرحا وافيا لما وصفته بــ “القصور”، هل تعتقد حقا أن عمان في حاجة إلى نظام أساسي أو “دستور” جديد، ولماذا؟
الدستور، الوثيقة الأساسية التي تنظم عمل الحاكم، وعلاقته بالشعب، وبه يلتزم الطرفان بدوريهما ومسؤوليتهما. أي دستور يتم كتابته من طرف واحد -مثل الدستور الحالي- و يتم فرضه من قبل السلطة، ويتم تطبيقه من نظام ملكي مطلق، هو دستور غير شرعي لأنه لم يكتسب شرعيته من الشعب وبالتأكيد سيفشل. فكيف يكون الدستور دستورا للشعب، وفيه الحاكم يُحصّن نفسه ويحمي نفسه ويعطي لنفسه الشرعية المطلقة في التحكم المطلق في عدد من مؤسسات الدولة!

اليوم نحن بحاجة إلى دستور جديد، يضطلع على كتابته نخبة من القانونيين والاقتصاديين والسياسيين والحقوقيين…إلخ، ثم يتم عرضه كاملا ومناقشته وطرح أفكاره وتفسيرها كيف تكون في مصلحة الشعب. وأعتقد أن الأمر ووفق تطوّر مجتمعات كثيرة حولنا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، لن تكون صعبة.


8- ولكن بعد الحراك الاحتجاجي في 2011، حسب ممثلي السلطة وفي الوسائل الإعلامية تم منح المشرع صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة لمجلسي الدولة والشورى، فهل هذا غير كاف لأن يكون الشعب مشاركا ومساهما في صنع القرار؟
عزيزي، الخطأ الذي يقع فيه الإعلام الخارجي عادة حينما يتناول موضوعا مثل هذا، تركيزه على الجانب النظري، وإهماله للجانب التطبيقي، وأستطيع أن أجزم أن الإعلام العربي ولغياب “الدمقرطة” في أنظمته، يسقط في هذا الخطأ بصورة عفوية أكثر منه متعمدا. وأحد أسباب هذا الخطأ غياب “قياس الأداء” لما بعد المرحلة، أي ما بعد إعطاء الصلاحيات، فلو أسلمنا جدلا أن المرسوم السلطاني 99/2011، حوّل من البرلمان بشقّيه، إلى برلمان حقيقي، لاختلف الأداء السياسي في عمان فعلا، ولرأينا هناك رئيس حكومة، وحكومة تتغير كل فترة معينة، وقرارات تصدر أو يتم تمريرها من البرلمان، فهل هذا ما يحدث؟ طبعا لا، الذي يحدث أن السلطان هو نفسه رئيس الحكومة، وهو المشرّع كذلك.

من ناحية أخرى، لا أستطيع الاعتماد على مجلس الدولة، فهو يقوم بالتعيين، واحترامي لكل أعضائه، إلا أنهم سيعملون بشكل أساسي على حفظ مصالحهم وعلاقتهم بالسلطة، وأقول هذا لأن أي قرار يصدر من الشورى، يجب أن يمر من بوابة مجلس الدولة، ثم مجلس الوزراء، ثم السلطان!. هل هذا في رأيك مجلس يملك صلاحيات تشريعية ورقابية؟. كذلك، هل نسينا مشكلة “الوزارات السيادية”، هل سمعت بسلطة تشريعية يتم منعها من استجواب أو دعنا نكون أكثر دقة، مساءلة أي وزارة بحجة أنها سيادية.

كذلك، هل نسينا قضية “طالب المعمري”؟! هل نسينا السبب الرئيسي لاعتقاله؟! لذلك، أقول لك، إن الشورى لا يملك أي صلاحيات حقيقية، وهو مجرد ديكور للحكومة لا أكثر. مع العلم، أن هذا الرأي خرجت به بعد التقائي بعدد من موظفي “مجلس الشورى” وكذلك بعض الباحثين السياسين في عمان، في فبراير/مارس/إبريل 2012، وليس رأيي الخاص فقط. وكان بعض هؤلاء ينتظر خطوة مكملة للقرار 99/2011، ليمنح الشورى السلطة التشريعية بصفة رسمية، وأن يستحدث منصب رئيس الوزراء، وهذا ما لم يحدث مطلقا، ولا أعتقد أنه سيحدث في القريب العاجل، في عهد السلطان الحالي.


9- كيف ترى المجتمع العماني، هناك من يصفه بالعاطفي الذي من السهل استمالته دينيا مثلا وحتى سياسيا، وطريقة تعامل الحكومة تثبت أنها ترى فيه كيانا غير جاهز للممارسة السياسية، ما تعليقك؟
ما يحدث هنا يحدث في أي مكان آخر. ولكن عادة ما يكون هناك دور بارز وواضح للمثقف، المثقف الذي لا يكون منحازا لأي طرف، ويعمل على تقديم ونشر الوعي بأمانة ومسؤولية. ولكن ما يحدث للأسف، من المثقفين المرضيّ عنهم من قبل السلطة خاصة، هو مساعدة السلطة على تضليل الشعب، بل والتلاعب بعواطفهم إن لزم الأمر، وإلهاؤهم عن الأمور الأساسية ولفت انتباههم إلى أمور تافهة وسطحية مثل الإجازات والخلافات المذهبية أو الأخلاقية، وما إلى ذلك.

أما البعض المتخصص في العملية النقدية، فإنه عادة ما يُركز على إعطاء مقترحات وبدائل بما يتناسب مع السلطة نفسها، ووضع اللوم على مؤسسات لا ناقة لها ولا جمل، مثلما يحدث أن يتم لوم “الشورى” مثلا في الكثير من الأمور ونحن نعلم أنه مجرد ديكور سياسي لا أهمية فعلية له سوى مسرحية الاستجوابات الهزلية، أو لوم وزير معيّن على فشل سياسة وزارته، في حين أننا نعلم أنّ الآمر والناهي هو السلطان نفسه، بحكم شكل نظام الحكم الحالي المعتمد على سلطة الفرد أكثر من اعتماده على دولة المؤسسات، ولكن هؤلاء يتناسون أو يتجاهلون فكرة، أنه وحين انتقاد أيّ سلطة، فإنه من الواجب طرح تساؤلات عن مدى فاعلية أو صلاحية السلطة أو النظام القائم، ودراسة كافة جوانب إدارته والوقوف على سلبياته وإيجابياته.

من ناحية أخرى، الشعب العماني اليوم يحتاج إلى عملية نقد صادقة وشفافة، حول وجوده ككيان يأتمر بأمر الحكومة، ومدى مساهمته أو سبب غياب مساهمته في صنع القرار، وما الدور المنتظر منه في تشكيل أسس العملية السياسية، وكيف عليه أن يخرج من نفق “التمذهب” وإدراك أن العملية السياسية لا تخص مذهبا أو قبيلة ما بعينها… إلخ من هذه العملية النقدية التي لا بد وأنها ستساعد في المستقبل على وضع خطوط عمل متقاربة أو رؤية سياسية متقاربة تمهّد لاستراتيجية عيش مشترك خارج أطار المشاكل الساذجة التي عادة ما تتبعها الأنظمة الطاغية في إلهاء شعوبهم بها مثل المذهبية والقبلية والطائفية…إلخ.


10- ما هو مستقبل النظام السياسي في عمان؟
لا أجد إجابة واضحة، تماما مثل مستقبل البلد بأكمله، فلكي أكون واضحا يجب أن نقدم صورة كاملة عن مستقبل اقتصاد البلد مثلا، وماذا سيكون الحال في غياب الثروة النفطية؟ ماذا سيكون وضع النظام السياسي وأسرة “آل سعيد” في حال شغور منصب السلطان، ماذا وماذا وماذا؟ نحن لا نملك إجابات واضحة لذلك، وحتى عملية انتقال السلطة بعد وفاة السلطان الحالي، يتحكم فيها السلطان حتى بعد موته، وليس إجراءات عملية مهنية واضحة، نستطيع من خلالها الاحتكام للمنطق والقانون.


كذلك البلد اليوم، وللأسف مرتهن بسياسة خارجية قميئة، سياسة السلام الخارجية التي تتبعها السلطة مع إيران والسعودية وأمريكا على سبيل المثال، هي سياسة توسّط وليس وسطية، مما يعني عدم جدواها في غياب “المعضلة”، وكذلك إمكانية استمالتها لطرف ما في حالة ازدياد وتيرة التأزم.




حاوره: محمد الفزاري
تصميم: عمرو إسماعيل