أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

15‏/12‏/2016

نعم أنا ملحد بربكم الداعشي - محمد الفزاري



ما أكثر الأوصياء! ما أكثر الدواعش! ما أكثر محامي الرب! بالأمس نشرت "بوست" في صفحتي وأنا أبكي حرقة بسبب مناظر الموت العبثية العشواء التي لم يسلم منها حتى الأطفال وهم في عمر الزهور، قائلا: "هل هناك حقا إله؟! وإذا كان يوجد، هل هو عادل؟! كرهتني، أشعر بالعار والخزي كوني كائن بشري."

تخيلتني مكان أحد هؤلاء الأطفال: ما ذنبي أن أقتل؟! ما ذنبي أن تهدر آدميتي؟! تخيلتني أحد الآباء واقفا أمام كومة من الأشلاء البشرية أحاول تمييز ما تبقى من جثة طفلي! كرهتني في ذلك الوقت كوني كائن بشري، لأنه لا يوجد كائن آخر يتجرأ فعل ذلك. 

صحيح لم تكن هذه أول حرب نرى نتيجتها مثل هكذا صور، لكنها تراكمات النفس. تراكمات ألم خبطات الموت الموجعة، بكل أنواعه. كان مشهد صغير آخر فقط من مشهد أكبر، لإحساس ساورني منذ مدة وأنا أتأمل في حقيقة الموت.

أكثر خبر يهز بدني ويخيفني، خبر الموت المفاجئ. ليس لأني أخاف الموت؛ فكم تمنيت الموت في لحظات اكتئاب حادة، وكم حاولت الإنتحار وخططت له وخمرة الفكرة في رأسي حتى فسدت، لكنه يريني بكل وضوح حقيقة هذه الحياة التافهة. إنها ليست أكثر من عبث نحاول أن نتجاهله رغم معرفتنا به. وكل ما ننسى وننغمس في الحياة ومتعها بشعور أو لا شعور، يخبطنا الموت المفاجئ على رؤوضسنا خبطة تهوي بنا إلى قاع عدمية متطرفة نفقد بسببها رؤية جميع الألوان، إلا اللون الأسود. لا ترى إلا سوادا إذا نظرت خلف ظهرك، ولا ترى إلا سوادا إذا نظرت أمام قدماك، وحتى لو حاولت أن ترمي بنظرك بعيدا محاولا تجاوز السواد لا تستطيع، تراه ينتظرك هناك مبتسما: تعال.. تعال.. تعال.

في منشوري طرحت ألمي بفكرة تعمدتها. بطريقة تضمن لي الاستمرار في هذه الحياة، مؤمنا في حقي الكامل في التعبير عن أفكاري بكل حرية، مثلما قال درويش: "سنكتب من أجل ألا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا". والسبب الآخر الذي دعاني لقول ذلك، هو لاختبار حقيقة التسامح التي يدعيها الكثير منا. لم تكن لدي مشكلة مع من أختلف مع الفكرة بكل احترام. المشكلة كانت مع من يدعون براءتهم من الأفكار الداعشية المتطرفة كل يوم. في ذلك اليوم ظهروا على حقيقتهم؛ فلو تمكنوا من رأسي وكانت لهم الكلمة؛ لفصلوه عن باقي الجسد. ما أسهل الادعاء بالشيء، وما أصعب تطبيقه في الواقع. من السهل جدا أن تدعي الثقافة وتقتبس عبارات التسامح والحرية والديموقراطية وترددها في كتاباتك وحواراتك، لكن المحك الحقيقي لاثبات ثقافتك هي مواقفك.


في هذا العالم إجابات كثيرة، وأسئلة قليلة. ما أصعب الأسئلة، وما أسهل الإجابات. ما أصعب حمل السؤال والشك، وما أسهل حمل الحق واليقين. من الصعب أن تشير بأصابع الشك إلى يقينياتك، ومن السهل أن تشير بأصابع الكفر إلى تساؤلات وشك الآخر في يقينياتك. ومن السهل جدا أن تحارب عن يقين تدعيه في إيمانك برب ما، ودين ما، ومذهب ما؛ فمعظم البشر يفعلون ذلك بدرجات متفاوتة رغم اختلاف اليقينيات التي يحملونها. معظم البشر لا يتعلم من تجربته، رغم أن مايدعيه من حق اليوم، بالأمس كان يخالفه. يستمر ويستمر في مسلسل ادعاء الحق المطلق حتى يموت!

ملاحظة: أنا لست ملحدا، ولم أدعي ذلك يوما. وإن كنت حقا كذاك، لن أخجل ولن أخاف من التصريح لو استدعى الموقف؛ فهو خيار شخصي وحق أصيل لا يستطيع أي مخلوق منازعتي إياه.

26‏/09‏/2016

من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش؟! - محمد الفزاري


قبل أيام كتب الصديق العزيز نبهان الحنشي في صفحته  الشخصية في الفيسبوك العبارة التالية: "بعض معاني الحياة، أن تعيش مع الآخرين، لا أن تعيش عن الآخرين!". من منطلق تلك العبارة، التي شجعتني القول، أجدني (مضطرا) لتوضيح نقطة معينة ل "بعض" الناس. هذا البعض الذي اختار أن يعيش عني بدل أن يعيش معي.

1- بغض النظر عن الظروف التي دفعتني للخروج من عمان سواء على مستوى التضييق الأمني من اعتقالات واستدعاءات أو حتى عندما سحبت وثائقي الشخصية لفترة طويلة (الجواز والبطاقة الشخصية)، أو غيرها من أسباب.... أراني أملك كامل الأهلية لأكون حرا في قراراتي ولدي مطلق الصلاحية لاتخاذ أي قرار أراه مناسب لي، ومن ضمنها تحديد مكان عيشتي، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

2- لم تتحمل مصاريف خروجي، ومصاريف إقامتي منذ خروجي، ولم تكن هناك مساهمة مشروطة يوما ما ووافقت أنا عليها، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

3- لم أتفق معك قبل السفر، ولم أتفق معك بعد السفر كذلك بأهداف ولا بخطة معينة، لا على المستوى الشخصي ولا على المستوى السياسي أو الحقوقي أو أو...وحتى لم أصرح يوما، سواء قبل سفري أو بعد سفري بأني أملك أهداف محددة بعد خروجي وذكرتها علنا، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

من منطلق كل ماذكر، من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش، وماذا أفعل وماذا لا أفعل، ماذا قدمت وماذا سأقدم ؟!!!!!!!!!!!!!

19‏/09‏/2016

#سجن_نعيمة المقبالي - محمد الفزاري




















١- اتضامن مع نعيمة المقبالية لو حقا تم اعتقالها بسبب مجموعة تغريدات ومقاطع فيديو نشرتها في صفحاتها، كما وصلني. اتضامن معها كما تضامنت مع العديد من المعتقلين سابقا احترما لمبدأ "حرية التعبير والاعتقاد" الذي أقدسه وأنادي به وأدعوا له، رغم اختلافي مع غالبية المعتقلين في عدة قناعات، وهذا أمر طبيعي. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديس المبادئ أهم بكثير من تقديس الشخوص، وفوق كل اعتبار آخر. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديسي للمبدأ عبر تضامني مع معتقلي حرية التعبير والرأي، لا يعني بتاتا تأييدي لجميع خياراتهم وآراءهم وقناعاتهم، بغثها وسمينها، وعجرها وبجرها.



٢- عندما تم اعتقال حسن البشام، الدبلماسي السابق وأحد قيادات ميدان الإصلاح في صحار ٢٠١١، بسبب نشاطه عبر الفيسبوك وتوجيه له عدة تهم ومن ضمنها "التجديف علانية على العزة الإلهية "، قلت وقتها أن هذه القضية منعرج جديد ونار جديدة ستحرق وجه كل ناشط إصلاحي وكل مواطن يخالف السائد سواء على مستوى السياسة أو الدين، وهذا فعلا ما يحدث وسيحدث. وحسب علمي هناك كاتب معروف يحاكم حاليا أيضا بذات التهمة. لماذا هذا المنعرج خطير؟! أولا السلطة تعلم بحساسية المجتمع من النقد الديني جيدا، ولهذا ستستغله وتوظفه لمصلحتها السياسية لإخراس كل صوت معارض لها عن طريق توجيه التهمة التي ذكرتها. ثانيا والأخطر هو تقارب السلطة الأمنية والدينية الذي لن يخلف إلا تراجعا على مستوى الحريات وخاصة الفكرية يفوق التراجع الذي سببه التضييق السياسي.

٣- بالنظر إلى المحتوى والآراء اطلعت على كل المقاطع المصورة والتغريدات، التي تم تداولها وينسب بسببها اعتقال نعيمة، ولم أجد ما يثير كل هذا السخط، ويولد كل هذا التشنج؛ فكل ما طرحته يقوله حتى الكثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، لأن هذا هو الواقع فعلا.

٤- رسالة إلى كهنة ورجال الدين في عمان: هل إسلامكم أوإلهكم ضعيف لهذا القدر لكي يحتاج أن يوكل له محامين يدافعون باسمه وجلادين يعزرون بسوطه؟! ما أنتم إلا وجه من وجوه الإرهاب، وصورة مصغرة لداعش. صدق المفكر التنويري عبدالله القصيمي عندما قال: ‏إذا وُجد الإرهاب الفكري فقد وجد كل إرهاب، كما أنه إذا وجدت الحرية الفكرية زال الإرهاب كله.
٥- رسالة إلى حماة الأخلاق والقيم العمانية: أخلاقكم العمانية النبيلة والأصيلة لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد وهو يتصفح وسم #سجن_نعيمة. كل إناء بما فيه ينضح.

٦- أنتَ، أنتِ، محامي الله، حارس القيم، تذكر أنك تملك شخصيتن، واحدة أمام المجتمع، وأخرى تخبئها لأنك تستحي منها. أتوقع أنك أدركت ماذا أعني. 
.
.
.

أرفق هنا تدوينة كتبتها تاريخ 07‏/04‏/2014 بعد الحملة النتنه التي قام بها حماة الأخلاق والقيم العمانية على خلفية نشر القاصة بدرية الإسماعيلية مجموعتها القصصية التي حملت اسم "الملح". أرفق التدوينة لأسبباب معينه أهمها تشابه الجلاد، الثانوي في هذه القضية، الجلاد الإمعة.


الجسد العماني يتألم من الملح

أكتب أخيرا عن الموضوع الذي شغل الشارع العماني في الأيام الماضية، بعد ما آثرت الصمت عن الحديث حول الموضوع محاولا قراءة ردود الأفعال التي بدرت من معظم أطياف المجتمع، باختلافاتها الآيديولوجية والفكرية والمستوى الثقافي في مواقع التواصل الإجتماعي وبعض المنتديات. وحديثي هو حول "الملح" الذي ذرته بدرية الإسماعيلية على الجسد العماني الذي أصابته الكثير من الجروح العميقة - ولست في صدد الحديث حول أسبابها - ما لبث أن انتفض تألما وبدأ يئن ويصرخ حتى وصل به المطاف أحيانا بأن يفكر بقطع تلك الأجزاء المجروحة عن بكرة أبيها؛ بل وحرقها.

ما أريد أن أوضحه هنا بغض النظر عن موقفي من ملح بدرية "هل أؤيد تلك الكتابات من ناحية المضمون أو اللغة أم أرفضها؟"، بعض الملاحظات التي أرجو أن أعرضها بكل حيادية، وبعض التساؤلات التي ستتيح الفرصة للتفكير أكثر حول هذه الظاهرة.

١
هل نستطيع أن نطلق على ردات الفعل تلك والنوبات الخاطفة نتيجة حمى انتشر فيروسها عبر مواقع التواصل الإجتماعي وبالأخص "الوتساب" بأنها تمثل رأي عام للمجتمع العماني!. ما هو الرأي العام لأي مجتمع، وكيف يتكون؟ في أبسط مفاهيم الرأي العام هي تلك المشاعر والأفكار والمعتقدات والقناعات التي يعبر عنها جمهور ما أو مجموعة ما حول قضية معينة تهمه، أو مشكلة تورقه، وهنا تتمحور قوة المجتمع عندما يملك رأي عام حقيقي. ويكون ذلك التجييش من المشاعر وردات الفعل الناتجة عنها رأي عام صحي؛ عندما تغدو ركيزته الأساسية الانطلاق من النزعة الفردية الى الجماعية، وليس بنزعة جماعية إلى جماعية أخرى، يعني عندما تكون هناك أصوات فردية أكثر وعيا بما تقوله وتملكه من خبرات ومعلومات.وفي محصلة نشوء هذه الاصوات الفردية، لا يلبث الحال إلى أن تتحول إلى جماعية صحية غير إمعية. عدة أسئلة تطرح نفسها هنا: كم هم الأشخاص الذين انتقدوا او انتقدوا من أنتقد او أيدوا ما كتب في الملح بعد قراءتهم تلك المجموعة؟، وكم من تلك الأصوات هي ضليعة في الأدب بشكل عام والسرد بشكل خاص؟ ذلك لأن المثل يقول "لا تهرف بما لا تعرف".

٢
هل هناك حراس تم تنصيبهم لحراسة القيم والأخلاق في المجتمع العماني؟، وهل مفهوم القيم والأخلاق بعمومها هي قيم ثابتة، وغير متغيرة حسب الزمان والمكان؟. لنتفرض جدليا أن هناك أناسا تم تنصيبهم، أو نصبوا أنفسهم لحماية الخصوصية العمانية بما تحمله من قيم وأخلاق؟، أليس من واجبهم أن يمارسوا تلك المسؤولية بكل أمانة وصدق وإنصاف، ويكونوا قدوة في تطبيق تلك القيم والأخلاق التي يحمونها؟ كم من القيم والمبادئ وحقوق أفراد ومجتمع تهدر يوميا، ولم نرى مثل ردات الأفعال تلك ولا حتى همسا؟. مع تأكيدي لكي لا يفهمني البعض بشكل خاطئ، أنني لا أحاول هنا توجيه قناعات البعض نحو اتجاه معين؛ لإيماني في الكثير من القضايا الخلافية أنه ليس من الضروري وجود حقيقة مطلقة. أحيانا الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تختلف عن بقرة أفلاطون؛ فالبعض يتشبث بقرنها والبعض بحافرها والبعض الآخر بذنبها. الكل لامس جزء من الحقيقة فقط، والواجب السعي والبحث عن الأجزاء الأخرى، وليس الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.

٣
هل ما حدث من تجييش يحمل بين طياته وأعماقه نوع من التحامل على جنس معين على الآخر، أم لم يحدث؟ فبدون أن أسمي وأشخص كم من الروايات والمجموعات القصصية التي تم نشرها وعرضها في المعرض في السنوات الأخيرة لكتاب عمانيين "ذكور" وكانت تحمل نفس الأفكار وذات المصطلحات، ولم نسمع أي اعتراض من تلك الأصوات التي علا صوتها مؤخرا! هل القيم والأخلاق تختلف عند جنس إلى آخر؟

٤
سقط البعض وللأسف في مستنقع من الوحل وهوى بأخلاقة إلى القاع وهو يدافع عن الأخلاق عندما قام بتشخيص الموضوع وبدأ يتفنن في قذف الكاتبة والبعض منهم لم يتورع عن تأليف القصص الكاذبة، وهذه هي قمة المفارقة. والمثل يقول "كل إناء بما فيه ينضح".


18‏/09‏/2016

قراءة: الإرهاب بين الإسلاموفوبيا والغربفوبيا - محمد الفزاري




يكاد يكون مصطلح "الإرهاب" من أكثر المصطلحات ترددا في وسائل الإعلام وخطب السياسيين وحتى في أجندة وبرامج المرشحين والأحزاب السياسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى اليوم، وكذلك أزعم حتى الغد البعيد جدا. وظفته كثير من الدول الكبرى كأحد وسائل الصراع الناجعة في تحقيق مصالحها، وبوجه الدقة مصالح المسيطرون على الرأي العام وعلى ديموقراطيتها واستثماراتها من شركات عابرة القارات عن طريق الانتقائية في التصنيف حسب أهواء المصالح السياسية والاقتصادية. ولهذا روجت الولايات المتحدة، أقوى قوة بحكم قبضتها الاقتصادية والعسكرية المطلقة، لتصنيفاتها وتعريفاتها للإرهابيين والإرهاب بشكل عام بحسب ما يتناسب مع مصالحها ومصالح حلفائها، وأصبحت كباراديغم أعلى يحتذى به في حربها على الإرهاب عسكريا وإعلاميا. وبدون أدنى شك من الخطأ التعميم أيضا على كل ما هو غربي وإلصاق به تهمة المؤامرة كما تفضله بعض الحكومات العربية المستبدة كأسهل وسيلة للإلهاء والسيطرة على شعوبها. هذه السياسة كذلك انعكست وأثرت على العقل الجمعي العربي كمتلقٍ، وكناقد، فضلا عن تأثير تأويلات الدين وخاصة السياسية منها في شيطنة وتكفير الآخر وإلصاق به تهمة العداء والمؤامرة على الدين الإسلامي. كل هذه التداخلات المعقدة دفعتني لعمل مقاربة حول واقع الإرهاب والإعلام والمتلقي.



واقع الإرهاب
بيد أن تعريف الإرهاب لم يظهر في القواميس العربية حسب شكلها وتعريفها الحالي إلا حديثا، واشتق المصطلح من الفعل المجرد "رهب" الذي كان موجودا في القواميس القديمة ويعني أرهب وخوف وأفزع(1) ، إلا أن ممارسة الإرهاب حسب المفهوم الحالي كأحد الوسائل المستخدمة في الحروب والصدام والسيطرة بين الحضارات في حروبها السياسية والجماعات الدينية في حروبها الطائفية والمذهبية، يعد فعلا قديما مارسته البشرية قديما وحديثا على مر العصور. وهذا بخلاف ما تروج له بعض القوى حاليا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مقصودة أو غير مقصودة، وربط فعل الإرهاب بجماعات معينة ودين معين كأفعال ووسائل مستحدثة لتحقيق أجندتها. 

من خلال بحثي البسيط عن تعريف الإرهاب وجدت العشرات من التعريفات الرسمية لمراكز ومنظمات ومؤسسات حكومية وغير حومية، عربية وأجنبية. الغريب جدا أني لم أجد تعرفين يتماثلان في المفهوم تقريبا، وهنا تكمن أحد أهم الإشكاليات. لا يوجد مفهوم واضح ودقيق متفق عليه دوليا لتعريف الإرهاب. قد يرجع السبب وراء ذلك إلى عاملين: الأول كما أشرت له سابقا وهو أن التعريف يجب أن يتناسب مع مصالح الجهة التي أصدرت التعريف. ثانيا: قد لا يكون هذا السبب بعيدا عن السبب الأول الذي ذكرته إلا أنه أكثر تعقيدا لأنه لا يعتمد على مصالح مادية واضحة المعالم قدر ما يعتمد على عقائد يؤمن بها إنسان ويكفر بها الآخر ويرفضها وينظر إلى متبنيها كعدو أولا وإرهابي ثانيا؛ وأعني هنا العمل النضالي الثوري سواء كان باسم الوطن أو العقيدة، والطرف الآخر هو مكافح للعمل النضالي. وهناك أمثلة كثيرة أهمها في الوقت الحاضر ما يحدث بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. 

إذن ما هو الإرهاب؟ لكن قبل أن أتطرق للتعريف أود أن أشير إلى مسألة مهمة، لكيلا أقع في ذات المطب الذي انتقده سابقا عند تعريف فعل الإرهاب، أزعم أني حاولت أن أقدم تعريفا مجردا من أي مصالح شخصية وغير مبطن بعقائد سواء ثورية أو دينية. الإرهاب يعني هو جريمة يستخدم فيها العنف والقوة أو التهديد بها، ضد مدنيين، بطريقة منظمة، لنشر الرعب والرهبة من أجل تحقيق مصالح ومكاسب معينة، سواء كانت سياسية أو دينية أو عدمية. ومن خلال هذا المفهوم أستطيع أن أصنف أنواع الإرهاب الحالي كالآتي: 1- إرهاب سياسي. 2- إرهاب ديني. 3- إرهاب ثوري. 4- إرهاب عدمي. 


الإرهاب السياسي: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بسياسات سلطة ما ضد شعبها من منطلق الحفاظ على الاستقرار والأمن القومي، أو ضد شعوب أخرى من منطلق إمبريالي وقانون الغاب، القوي يأكل الضعيف. وهذا مباشرة يجرنا نحو نظرية المؤامرة التي تستخدمها السلطات المستبدة، التي أناخت بكلكلها وجثمت على صدور شعوبها منذ عقود طويلة، كشماعة لممارسة إرهابها ضد شعوبها والترويج لها عن طريق وسائلها الإعلامية في أشكال مختلفة من البروبجاندا المبتسرة، كأحد وسائل الإلهاء عن القضايا الكبرى الداخلية، والتجييش نحو فكرة وهمية غير موجودة واقعيا إلا في عقل مدبريها. وأرى أن الواقع العملي جدا مختلف؛ فقانون الغاب هو سيد الواقع، والدول القوية عتادا واقتصادا تسيطر بشكل مباشر وغير مباشر بالدول الأخرى الأضعف، وتبحث عن مصالحها حتى خارج حدودها الجغرافية، وحتى لو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة وحرمة الآخر من الدول. ولهذا بدل تجييش الشعب نحو فكرة وهمية ليبقى أسيرا لها، ويفسح المجال للسلطة في تزعم الشعب بكل أريحية تحت وطأة الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية والرؤية الاقتصادية بحجة الممانعة والتصدي للمؤامرة، على الدولة الضعيفة أن تقوي نفسها من الداخل؛ فتعزيز فكرة المواطنة وقوة التعليم وانتشار العدالة الاجتماعية ووجود رؤية اقتصادية هو أفضل دفاع وحماية لأي دولة من أي عدو خارجي متربص. وهذا ما أكده ابن خلدون في مقدمته عندما قال: "لا نلوم الخارج الذي دخل؟ بل اللوم على الداخل الذي خلق الفراغ".

ولأن العالم يدار بقانون الغاب كما أسلفت الذكر، مارست القوى العظمى شتى أنواع الإرهاب وقت الحاجة والضرورة ضد كل من يقف أمام مصالحها. هذا ما قامت به على سبيل المثال الدولة العثمانية ضد الشعوب المحيطة بها، وهذا ما قامت به النازية ضد شعوب أوروبا الأخرى، وهذا أيضا ما قامت به فرنسا ضد الشعب الجزائري المحتل يوما ما. حديثا، ما قامت به أمريكا في أفغانستان والعراق لا يختلف عن هذا المفهوم من الإرهاب. والأنكى من ذلك، ظهور منظرين لهذا النوع من الإرهاب حتى مسمى نظرية الفوضى الخلاقة! 


الإرهاب الديني: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بدوغمائيات العقيدة وتشريعات الدين نفسه التي تنظر للآخر المختلف بنظرة الكفر المباح دمه، ويتفاوت مستواه مع اختلاف التأويل للموروث الديني. ولو تحدثنا عن إرهاب الإسلاموي وهذا ما يهمني أكثر لسببين: الأول، أكثر نوعا من الإرهاب الديني انتشارا في العالم في الوقت الحالي. ثانيا، خلفيتي الإسلامية تحتم عليّ تشخيص مشكلتي وتفكيكها أولا ومن ثم المحاولة للوصول إلى حلول إن أمكن ذلك قبل الحديث عن الديانات الأخرى. بيد أني لا أنفي ولا أؤكد وجود التطرف في الأديان والطوائف الأخرى. وليس غرضي أيضا نفي أو تأكيد وجود أجندات استخباراتية خلف أي حادثة إرهابية إسلاموية، وحتى خلف ولادة أي مكون إرهابي إسلاموي. لأن كلا السياقين بعيد كل البعد عن قضيتنا الداخلية المحورية. فنقد الأول لا يعالج إشكالياتنا، ومناقشة الثاني والاستسلام لفكرة وجود المؤامرة على الإسلام والدول العربية ما هو إلا إلهاء يبعدنا عن أصل المشكلة. لكن، لو افترضنا جدلا وتجاوزا، أن كل عمل إرهابي خلفه مخطط استخباراتي؛ فلا بد من وجود مفاتيح خاصة تُستخدم لفتح أبواب تلك الأجندة. وإحدى هذه المفاتيح "التأويلات الإرهابية للموروث الإسلامي". بالمختصر، لو لا وجود مفاتيح سهلة يستطيع استغلالها العدو لما حدث ما حدث.(2)

ولو أخذنا الحالة العراقية كمثال على الإرهاب الديني بين المذاهب، سيتضح جليا لنا تداخل الإرهاب السياسي الخارجي والداخلي مع الإرهاب الديني. وعلى الرغم أن الإمبريالية الغربية لها دور في تطور هذا الوضع الدموي، إلا أن الخلافات المذهبية والمذابح الدموية المازوشية بين الطوائف الإسلامية مع بعضها بسبب التأويلات الإرهابية عميقة وقديمة جدا. من المغالطة أن ننكر أثر العدوان الأمريكي في تفاقم الوضع، بيد أن العدوان لم يخلق هذه التأويلات المتطرفة الدموية، بل كان موجودا في كل بيت وكل عقل مسلم تقريبا. فقط كان مكبوتا بالقوة في أوقات ما. ولهذا نحن لا نريد علاجا سطحيا يدغدغ مشاعر المسلمين المهزومين معنويا وماديا قدر ما نريد علاجا يعالج أصل المشكلة، لأن إلقاء اللوم على الآخر لا يعالج المشكلة إطلاقا وستبقى ثغرة يستخدمها العدو دائما.

وكما قلت سابقا في عدة مناسبات، "الارهابي الإسلاموي مريض نفسي. الشخص الداعشي حسب التوصيف الجديد إعلاميا للإرهابي المتأسلم، أو المنتسب للإسلام كما يفضل البعض من المسلمين التوصيف؟ أرى أنه كائن مشوه بعقد نفسية جاءت نتيجة عدة عوامل مرتبطة لا يمكن فصلها عن بعض. هذه العقد تدفع بصاحبها لأخذ منحى انفعالي لاشعوري للقيام بتصرفات غير واعية باتجاه الأسباب المكونة والمولدة لتلك العقد. وأرى أن جميع التنظيمات الإسلاموية التي ظهرت بعد الصحوة الإسلاموية تشترك في المكون نفسه. جميع منابعها متشابهة التي يمكن حصرها في أربعة أسباب رئيسة: 1- استبداد حكام العرب (الاستبداد الداخلي)، 2- استبداد الغرب على الشرق (الاستبداد الخارجي)، 3- طموحات عودة الخلافة الإسلامية المقدسة المزعومة، 4- الموروث الدموي في كتب التاريخ والسنة (والقرآن حسب فهم بعض الفرق الإسلامية). وطبيعة هذه الأسباب المكونة لظاهرة داعش المتداخلة مع بعضها التي يصعب فصلها سواء على مستوى التشخيص أو العلاج."(3)


الإرهاب الثوري: هو إرهاب غير واضح المعالم لأن صاحبه ينظر إليه كعمل نضالي وثوري وأحد الأدوات التي تنطبق عليها النظرية الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، بينما يصنفه الواقع عليه الجرم، ومكافحُه بأنه عمل إجرامي وإرهابي. وبغض النظر عن الكثير من التفاصيل التي قد تكون مهمة ومفصلية، إلا أن الأهم هو المبدأ الذي لا يمكن أن يتجزأ؛ فكل عمل عنيف يُستهدف فيه المدنيون بالقتل أو التهديد بغض النظر عن فاعله وغايته وتوجهاته، هو بدون أدنى شك عمل إرهابي. وغالبا في مثل هذا النوع من الإرهاب تجد كلا الطرفين يمارسان الإرهاب ضد الآخر مبررين ذلك بغايتهم النبيلة. والأمثلة كثيرة على ذلك: أشرت سابقا على الصراع الدائر بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، كذلك ما يحدث بين الحكومة السورية والثوار بمختلف توجهاتهم وعقائدهم، وكذلك ما يحدث في ليبيا بين أطراف الصراع. وقديما ممكن أن نستدل على الثورة الفرنسية والروسية والبلشفية بعد ذلك بين الحكومات والثوار. وينطبق الحال كذلك على سبيل المثال على منظمة فدائيي أمريكا، والألوية الحمراء وجماعة بادرماينهوف.


الإرهاب العدمي: هو ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بالفرد نفسه دون وجود أجندات منظمة تدار من جهات معينة. وليس من المنطق أن يصل إنسان لهذا المستوى من التوحش والمازوشية إلا إذا كان يعاني من أمراض نفسية جاءت نتيجة عقد ما. وقد يُستخدم هذا النوع من الإرهاب في تحقيق رغبات وغايات الإرهاب الديني والسياسي والثوري، كأحد الوسائل السهلة في توظيفها لتطبيق تلك الأجندة مثل ما أشرت على سبيل المثال في توصيف الإرهاب الداعشي. ومؤخرا حدثت في أوروبا عدة حالات إرهابية فردية لأسباب مختلفة مثل ما حدث في ألمانيا المعروف إعلاميا بهجوم ميونخ الذي راح ضحيته 9 قتلى من المدنيين. وكذلك الهجومان اللذان تم تنفيذهما بالساطور في ألمانيا وراح ضحيتهما قتيلة وعدة جرحا.



واقع الإعلام
من ضمن الحادثتين اللتين ذكرتهما وتم تنفيذهما بالساطور، إحداهما قام بها شاب أفغاني طالب للجوء في ألمانيا ويبلغ من العمر 17 عاما على ركاب قطار مدنيين. ما لفت انتباهي وأنا أتصفح صحيفة "الجارديان"، التي أثق في موضوعيتها بشكل أكبر كصحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية من الصحف الكبرى الأخرى، عنوان تقرير الحادثة التي أشرت إليها وجاء كالآتي "مراهق يهاجم ركاب قطار بساطور وسكين في ألمانيا"، وذكرت بقية التفاصيل في محتوى التقرير. ما استوقفني في هذا التقرير هو تحرر السياسة التحريرية للصحيفة من التوجه العام المسيطر عليه بشكل أكبر هاجس الإرهاب الإسلاموي. كان بإمكان أن تعنون الصحيفة تقريرها كالآتي "إرهابي مسلم من أصول أفغانية يهاجم ركاب قطار في ألمانيا". هل هذا العنوان خاطئ؟ طبعا لا، لكن في المناخ الإعلامي الدولي الحالي سيعطينا مباشرة شعورا بأن الصحيفة أسيرة هاجس الإسلاموفوبيا مثل ما وقعت في هذه الإشكالية معظم الصحف والقنوات الأجنبية الكبرى الناطقة باللغة الإنجليزية. ولهذا لاحظ الكثير من متابعي هذه الصحف والقنوات تباينها وعدم موضوعيتها في طرحها لمثل هذا النوع من الأخبار متأثرة بالمناخ السياسي العام وتفسيرات الدول الكبرى لمعنى الإرهاب. فعند أي حادثة إجرامية إرهابية قام بها مسلم، تسارع هذه الوسائل الإعلامية في توصيف الحادثة بأنها عمل إرهابي ومن قام بها شخص إرهابي، حتى تطور الوضع أكثر ليأتي هذا الحكم قبل الانتهاء من التحقيقات. لكن من جهة أخرى لو قام بهذه العملية غير مسلم سيذكر الخبر بشكل هامشي ولن يعطى المقدار نفسه من التسليط الإعلامي، وسيوصف الفاعل أنه فقط مختل عقلي، ما دام غيرَ مسلم. 

بيد أنه حتى بعض القنوات والصحف العربية الكبرى لم تسلم من هذه الفوبيا لكن بشكل معاكس؛ فحاولت تجييش الشارع العربي وليس فقط للفت انتباهه للإشكالية التي ذكرتها. فوصل الحال عند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم يتم التبرؤ من الفاعل بالمطلق وأن ليس للإسلام أي صلة بالحادثة وما هي إلا نتائج الإرهاب الغربي على الإسلام والمسلمين. والمعيب جدا أن يصل الحال لدرجة الشماتة دون أي نوع من الاستنكار للفعل الإرهابي المشين. السؤال الأهم: هل سينتهي هذا النوع من الإرهاب بهذه المعالجات السطحية والساذجة؟!



واقع المتلقي
المتلقي الغربي بحكم معاشرتي له هو ضحية كغيره من المسلمين والعرب لأجندات الإعلام والسياسات الدولية. ومثل ما يوجد هناك أناس في دولنا تحرروا من هذه القبضة كذلك الحال عند المتلقي الغربي. لكن المحزن هو نسبة هؤلاء الناس الواعين المدركين للواقع مقارنة بالبقية الأخرى. لا أستطيع أن أقول إنها نسبة قليلة ولكن أيضا ليست الغالبية العظمى. واتضح لي هذا من خلال نقاشاتي وحواراتي مع العديد من الأصدقاء والمعارف من جنسيات غربية مختلفة. لكن الجميل عند معظم هؤلاء وقت محاورتهم أن مداركهم غير مسورة بمقدسات تمنعهم من التحاور بشكل سلس؛ فالحجة والبرهان هو الميزان والكفة الحاسمة في نهاية أي حوار، بخلاف ما يحدث عند حوار عربي مع عربي آخر في الغالب!

ننتقل إلى المتلقي العربي أو بالأصح صورة معينة من صور المتلقي العربي. مؤخرا ظهرت عدة أسماء في مواقع التواصل الاجتماعي عبر صفحاتها الشخصية بدأت تقدم نقدا ساخرا عبر نشر مقارنات لأحداث وقضايا وشخصيات أحدها تمثل العالم الإسلامي والعربي والأخرى في النقيض تمثل العالم الغربي المتقدم. وخلافا للعادة، هذه المقارنات تحاول أن تظهر الجانب القبيح للحضارة الغربية والجانب المشرق للعالم الإسلامي والعربي. ورغم امتعاض البعض من هذا النوع من النقد إلا أني لاحظت هناك أيضا تعاطفا وإعجابا من عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ليس بالهين. وشخصيا أراها ردة فعل صحية وأناصرها لأنها ستخلق توازنا رغم عدم موضوعيتها في طريقة تفكيك الصورة للجانب الغربي في أحيانا كثيرة، وهذا ما ينقصها. وأصفها بردة الفعل لأنها أتت كنتيجة للتقديس الأعمى للغرب وجلد للذات بشكل مفرط من قبل البعض قد يكون سببه أيضا عدم فهم وتفكيك مفهوم "الغرب". لذا تفكيك مفهوم "الغرب" الذي نعجب به كثيرا ونكرهه في ذات الوقت كثيرا، مهم جدا. لكن لماذا هذه الازدواجية في الصورة وما سببها؟! فنجد هناك ثمة من يحارب كل ما هو غربي، لأنه فقط غربي! وهل الغرب بضاعة في محل بيع بالجملة، لكي تشرتيها بالكامل أو ترفضها بالكامل؛ فهناك إمبريالية نرفضها وننددها، وهناك تكنلوجيا نحتاجها ونتعلمها، وهناك مجتمع المدني نتشارك ونتعاون معه، وهناك عادات وتقاليد يأخذ ويرفض كل فرد منها حسب قناعاته الفردانية الخاصة. 

هذا المتلقي ذاته وقع أسير هاجس الغربفوبيا؛ فعند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم تكون ردة فعله واحدة ومحددة. في البداية مباشرة سيحاول أن يبرئ الإسلام من ذلك الفعل الإرهابي المشين. ثانيا، وهي مرحلة "مؤسفة" أن يصل حال البعض لهذا المستوى من الانحطاط للأسف، أن يحاول تبرير الدم البريء بدم بريء آخر حتى دون أي نوع من الاستنكار! وكان الأوجب كمتلقٍ من هوية إسلامية، وكإنسان أولا، اتخاذ موقف أخلاقي برفض الإرهاب بكل أشكاله، بالمطلق. ومن ثم يأتي باب النقد عن طريق تشخيص المشكلة والمحاولة في تفكيكها وإيجاد الحل إن أمكن، بدل الانشغال في البحث عن المبررات؛ فالإرهاب الإسلاموي هو تراثنا الدموي، وإسلامنا السياسي، واستبداد حكامنا، وإمبريالية الغرب.

هناك مشكلة أخرى يعاني منها المتلقي العربي والمسلم، أنه عالق بين فريقين: الأول والأوسع يريد الماضي والأموات أن يحكمونا. والفريق الآخر والأقل يريد المستقبل وتهميش التراث أن يحكمنا، وبين هذا وذاك المسلمون ضائعون. ومن الأفضل والأنفع ألا نتجاوز الموروث الإسلامي وتأويلاته الإرهابية، لو أردنا تجاوز عواقبه وأضراره. يجب أن نفككه بمنهجية النقد التاريخي والفيلولوجي ونكسر التابوهات ونصهر المقدسات.

أختم مقالتي برسالة بسيطة لكن مهمة جدا للارتقاء بحسنا الإنساني: من العار أن نبرر الخطأ بخطأ آخر! ومن العار أن نبرر الدم البريء بدم بريء آخر! ومن العار أن نبرر الظلم بظلم آخر. أليس هذا هو منطق الاستبداد؟! أليس هذا هو منطق الإرهاب؟! ولأن الأخلاق مطلقة، ولأن المبادئ لا تتجزأ؛ وجب رفض الإرهاب مهما اختلف المكان، وتعددت الأسباب، وتنوعت الأهداف، وتباينت المنطلقات والآيديولوجيات، يبقى الإرهاب واحدا والنتيجة واحدة. 


....................................................

الهوامش:

1- انظر: د. لمياء الطويل، الفرق بين الجهاد والإرهاب، موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية:


2- انظر: محمد الفزاري، قراءة: داعش بين الواقعية الكوسموبوليتية والتنظير الإسلاموي اليوتوبي، مجلة مواطن، العدد 24:


3- المصدر السابق




نقلا عن مدونتي نشر المقال في صحيفة الخليج العربي

13‏/08‏/2016

فجوة الاستقرار بين توقعات وثقة الشعب.. قضية الزمن نموذجا - محمد الفزاري

مؤخرا شهد الشارع العماني حدثا قد يكون الأكثر وقعا وصخبا بعد أحداث الحراك العماني أو الربيع العماني سنة 2011، تأثرا بأحداث الربيع العربي، وقد يكون الأول من نوعه على مستوى الصحافة العمانية. وفي الحقيقة لا يختلف واقع هذا الحدث عن الحراك سنة 2011 من حيث جوهر الفكرة. حيث صرخ الشعب سابقا وصرخ اليوم بأعلى صوت مع اختلاف الوسيلة "كفاية فساد". اللافت في الأمر أكثر أن تصل شبهات الفساد إلى القضاء، والمحبط أكثر أن يصل إلى هرم أعلى سلطة قضائية. ورغم ظهور مواطن عماني عُرف باسم مظاهر التاجر من منفاه الاضطراري قبل قرابة عام ونصف في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" مؤكدا فساد عدة مسؤولين يعتلون أعلى السلطات في الدولة ومن بينهم رئيس المحكمة العليا ورئيس الادعاء العام، وتعاطف ومتابعة عشرات الآلاف من المواطنين للقضية عبر حسابه الشخصي، وتغطية مجلة مواطن العمانية للقضية، إلا أن ما حدث مؤخرا من شد وجذب بين المواطنين حول ما نشرته الزمن من تفاصيل وحقائق تدين فيها هرم أعلى سلطة قضائية ورئيس الادعاء العام تعد سابقة وضربة مؤلمة لعصر النهضة العمانية كما تفضل الحكومة العمانية الرشيدة أن تطلق عليها، لا سيما بعد ما نشرت شهادة نائب رئيس المحكمة العليا مؤكدا فيها صحة تورط المسؤولين بقضايا فساد ورشوة ومخالفة النظام الأساسي للدولة.

بيد أن ردة الفعل التي اتخذتها السلطة، وهنا لا أعني الحكومة، لا تقل دهشة عما نشرته الزمن في أولى صفحاتها في ثلاثة أعداد متفرقة، عندما اعتقلت رئيس تحرير الصحيفة ومسؤول التحرير وأبرز صحافييها وإحالتهم للمحاكمة، وتوقيف الصحيفة عن العمل وإغلاق موقعها الإلكتروني، ورفع الحصانة عن نائب رئيس المحكمة العليا للتحقيق معه. وإصدار بيان من وكالة الأنباء العمانية الرسمية باسم "مصدر مسؤول" يتحدث فيه عن حرية التعبير وأخلاقيات الصحافة في الوقت الذي يغيب صحفيو الزمن خلف القضبان ويتم توقيف الصحيفة عن العمل، واللافت في الأمر أن هذا المصدر المسؤول لم يصرح عن اسمه! وما يهمني أكثر كمتابع لهذه القضية منذ بدايتها طبيعة الموقف الشعبي من القضية، كذلك غياب دولة المؤسسات عن متابعة سير مجرياتها، وهذا ما سأحاول تفصيله في الأسطر القادمة.



الموقف الشعبي 
من الصعب أن نفصل بين قضية الزمن وما نشرته من ملفات فساد وقضية المواطن مظاهر التاجر، حيث إن المسؤولين المتهمين في صفحات الزمن سبق أن اتهمهم مظاهر التاجر بالفساد. ولهذا عنونت الزمن أولى صفحاتها في أول عدد حول القضية: رئيس المحكمة العليا في الواجهة من جديد بعد "قضية مظاهر"، جهات عليا تغل يد العدالة، فضلا عن أن بعض أدلة الفساد التي نشرتها الزمن سبق للتاجر نشرها. قبل عام ونصف نشرت مجلة مواطن في عددها السادس العاشر نتائج استطلاع قامت به المجلة بمشاركة 816 مواطن، استطلعت من خلاله رأي الشارع من قضية التاجر. وجاءت أبرز النتائج كالآتي: 80% من المشاركين يعتقدون أن القضية عامة ترتبط بحقوق المواطنين. 65% من المشاركين بعد متابعتهم تفاصيل القضية يدعون الحكومة إلى محاسبة المسؤولين المتهمين. 76% يرون أن هناك انتهاكات قانونية تمس حقوق المواطن شبيهة بالانتهاكات التي تحدث عنها التاجر. وفي استطلاع قام به التاجر مؤخرا عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي تويتر بمشاركة 7960 صوت، طلب 93% من المشاركين تدخلا عاجلا من السلطان لأن الموضوع في غاية الخطورة حسب رأيهم. وفي استطلاع آخر قام به التاجر أيضا بمشاركة 3936 صوت، أكد 94% من المشاركين بوجوب تنحية ومحاسبة المتورطين بعد تأكيد نائب رئيس المحكمة العليا حقيقة تورطهم. 



غياب المؤسسات وتغييب الشعب
لا ينكر عاقل التأثير الكبير الذي أحدثته القضية بين أوساط المجتمع العماني، وأصدق دليل على ذلك عدد المتابعين لحساب التاجر عبر موقع التواصل تويتر الذي تجاوز 100 ألف متابع. مع الـتأكيد أن الحساب غير مهتم لأي شأن آخر إلا متابعة مجريات هذه القضية، فضلا عن التداول اليومي الضخم لأخبار القضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن القضية باتت قضية رأي عام، وتم إيقاف أحد أبرز الصحف اليومية الخاصة الذي لفت انتباه المجتمع الدولي للقضية لاسيما المنظمات الحقوقية وبعض الصحف العالمية، إلا أن هذه القضية أوضحت للمواطن بشكل جلي غياب دولة المؤسسات. لم يكن هناك أي حراك لمجلس الوزراء، ولم يكن هناك أي حراك للبرلمان! وبين ليلة وضحاها تقوم سلطة مجهولة باسم "مصدر مجهول" بالانقلاب على إرادة الشعب ولم تبال لكل تلك المئات من الآلاف من أصوات الشعب وضربت بها عرض الحائط. وهذا ما عده الكثير من المواطنين انقلابا على إرادتهم وتهميشا لدعوتهم في تدخل السلطان قابوس لحل المشكلة. كل هذا دفع بعض المواطنين لتساؤلات مشروعة، أين السلطان قابوس عن كل ما يجري في البلد؟! من الجهة التي تدير شؤون البلد التي عرفت نفسها "بالمصدر المسؤول"، لا سيما في هذه المرحلة الحرجة من عمر عمان التي قد تشهد انتقالا للسلطة في أي وقت ما؟! 



قابوس المشكلة والحل
هل عدم معرفة السلطان قابوس بسير مجريات أحداث البلد وحتى أهمها وأضخمها بحكم مرضه، يعفيه من المسؤولية الإدارية والقانونية والأخلاقية، ونحن نعلم أن السلطان قابوس هو من رفض التنازل عن أي من صلاحياته ومناصبه التي يحتلها بجانب كونه قائد البلد مثل: رئيس الوزراء، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، ووزير المالية والخارجية والدفاع، وغيرها من المناصب الأخرى، وهو من عين ويستطيع هو فقط إقالة كل الأسماء المتورطة في شبهات الفساد؟ لكن لنفترض خلاف ذلك، السلطان يعلم بتفاصيل كل ما جرى وما يجري، ما هو الموقف الشعبي من ذلك لا سيما أن غالبية الشعب وحتى مسؤولي صحيفة الزمن كانوا ينتظرون تدخله لحمايتهم وإرجاع هيبة القضاء والدولة. أليس كان من الأولى تنحية كل المسؤولين الذين طالتهم شبهة الفساد، تلبية لرغبة ومشاعر جماهير الشعب؟! ولهذا السبب هناك فجوة كبيرة تتسع كل يوم بين مستوى سقف توقعات الشعب ومدى ثقتهم بالحكومة والسلطان. وأزعم أنها في أعلى مستوى لها ووصلت لمرحلة خطيرة قد تربك الاستقرار خاصة بعد شغور منصب السلطان. وكل المعطيات تشير إلى أن السلطة لم تتعلم من الدرس السابق، وأعني حراك 2011 عندما اتكأت على مستوى الخوف الذي زرعته في نفوس المواطنين طوال السنوات ٤٠ السابقة وأيضا على مستوى سيطرتها على المعلومة، ولم تتوقع نهائيا قدرة الشعب في التعبير عن غضبه ميدانيا. لكن هل من المعقول أن من كان جزءا من المشكلة وساهم في تفاقمها ولو كان بصورة غير مباشرة، أن تحال له المشكلة لحلها؟ هذا الرهان كان ما زال موجودا قبل انقلاب "المصدر المسؤول" على إرادة الشعب. السؤال الآن هل ما زال موجودا؟!



عمان الغد
بيد أنه بعد كل ما حدث من امتهان لكرامة المواطن ومحاولة تغييب وتهميش صوته عمدا، هل أدرك المواطن العماني بالتجربة العملية أن عمان ليست دولة مؤسسات كما تزعم سلطتها، بل يتحكم في مفاصلها مجرد شخوص؟ هل أصبحت صورة الفساد وحجمه وعمقه في الدولة، وما هي مصادره ومن هي رؤوسه، واضحة المعالم؟ وبالرغم من حالة التشاؤم الشعبية التي تلت مباشرة انقلاب المصدر المسؤول إلا أني متفائل بأن المواطن بات يدرك أهمية وجود دولة المؤسسات بدل الاعتماد على تدخل السلطان في حل مشاكله، ورفع سقف مطالبه، من مطالب فرعية في إزالة الشخوص إلى مطالب أساسية وجوهرية تضمن له كرامته وحقوقه وأمنه وحريته والمحافظة على أمواله. وأكبر برهان على ذلك ما حدث في حراك 2011 عندما طالب المتظاهرون بتغيير بعض المسؤولين وتمت إقالتهم، هل عمان صعدت للأفضل؟! هل حجم الفساد تقلص؟! فأزمة عمان ليست مع الشخوص قدر ما هي مع النظام الذي يساعد في فساد واستبداد المسؤول ولو كان صالحا. لهذا، الدعوة لإقالة الفاسدين يجب ألا تنسي المواطن المطالب الرئيسة والأهم التي ستوجد مزيدا من النمو والشفافية والرقابة مثل مطلب الدستور التوافقي الضامن لوجود سلطنة دستورية، ومحكمة دستورية، وفصل تام للسلطات الثلاث، مع إعطاء البرلمان الصلاحيات التشريعية والرقابية الكاملة.

وأختم حديثي برسالة إلى من ينظر إلى السلطان كأب ووجب احترامه وتجاوز تقصيره وهفواته. لا أحد يستطيع أن يمنعك من حب قائدك، لكن إسقاط مفهوم الأبوة على الحاكم بهذه الطريقة يلغي مفهوم دولة المؤسسات، التي تنادي بها. الدولة ليست أسرة، وعلاقة والد بأبنائه، بل علاقة حاكم بمحكومين، كل له حقوق وعليه واجبات، والرقابة تقع على الطرفين. كيف نطالب بدولة حديثة تكون المواطنة مركزها، والمؤسسات منهجها ونحن نسقط مفهوم البيت وطبيعته الأسرية على طريقة إدارة الدولة؟! ولهذا المواطن ليس مجبرا أن يحب قائده، قدر ما عليه تنفيذ واجباته اتجاه بلده. وإذا أحبه لا يعني أن يتناسى أخطاؤه لأن اختفاء الرقابة يعني سقوط دولة المؤسسات.


نشر المقال في صحيفة السفير اللبنانية

12‏/07‏/2016

الجماعات العلمانية في الخليج العربي أي واقع وأي مستقبل؟ - محمد الفزاري


فلسفياً، تعني العَلمانية -بفتح العين- الاهتمام بكل ما له علاقة ومنتمي إلى العالم والدنيا دون النظر إلى العالم الروحي الميتافيزيقي، بخلاف ما يعتقد به البعض عندما يربط ويحصر مفهوم المفردة بالعِلم فقط. واصطلاحاً، أبسط تعريف لها هي شكل من أشكال إدارة الدولة الذي يقوم بفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية ورجالاتها ويكون جميع المواطنين بمختلف أعراقهم ومعتقداتهم متساوين أمام القانون في الواجبات والحقوق بحكم المواطنة.

ويقول ديفيد بولوك، عضو في مجلس أمناء الرابطة البريطانية الإنسانية، في عنوان مقالته في الجارديان: “العلمانية هي الحياد تجاه الدين كله بما في ذلك الإلحاد”. وهذا يعني أن العَلمانية ليس هدفها محاربة الدين، مثل ما يفهم البعض، قدر ما هو تحييد للدين ورجالاته عن السياسة وشكل إدارة الدولة والوقوف في مسافة واحدة من جميع المواطنين باختلافاتهم.

وفي وقتنا الحالي، معظم دول العالم وفي مقدمتها الدول الديمقراطية الكبرى تطبق العَلمانية في شكل إدارة الدولة. ورغم أن مفردة العَلمانية لم تذكر حرفياً في كثير من دساتير هذه الدول إلا أنها لم تحدد في ذات الوقت ديناً معيناً للدولة، وهذا أول وأهم مبدأ تقوم عليه العَلمانية. بيد أن هناك جدل ولغط كبير يدور حول مصطلح “العَلمانية” وتطبيقاتها في العالم الإسلامي العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص. وبسبب حساسية وقعها المفرط على المتلقي بات كثير من المفكرين والكتاب العرب أصحاب التوجه الليبرالي والعَلماني يتجنب في أحيان التصريح بها ويستعير بدلاً منها مفردة “المدنية” مخافة الصدام أو بهدف محاولة تعزيز فائدة تطبيقات الدولة العَلمانية عند المتلقي دون أن تكون مفردة العَلمانية عائقاً أمام ذلك.

في هذا المقالة سأحاول عمل مقاربة لواقع ومستقبل الجماعات العلمانية في دول الخليج العربية وفرص تموضعها داخل الأنظمة السياسية.



الواقع

بعد الإخفاق المرير للآيديولجيات القومية والشيوعية وشعارتها الخاوية التي قامت بشكل أكبر على الغوغائية وليس البعد الإبيستمولوجي، خاصة بعد هزيمة 67 والنكسة الجيوسياسية والمعنوية التي صاحبتها مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتوسعه المستمر، نتج عن ذلك صحوة إسلامية وظاهرة تدين سلفي وراديكالي بصفة عامة، وظهور آيديولوجيا الإسلام السياسي كبديل لتلك الآيديولوجيات السابقة التي يزعم منظروها وساستها أنها الحل الأنجع لجميع مشاكلنا وأزماتنا العربية الإسلامية.

ولم يكن الخليج العربي بمعزل عن كل هذه التطورات وخاصة ونحن نعلم أن أهم وأكبر دولة خليجية هي السعودية التي تعتبر المصدِّر الأكبر للفكر السلفي. هذا الواقع أدى إلى انسداد ابستمولوجي شعبي على مستوى العقل الجمعي وبات يرفض أو يتوجس من كل ما هو غربي تحت حجة قضية المؤامرة أو في أحايين كثيرة مجرد جهل ونقص في المعلومة كما يحدث مع مفردة العَلمانية. وفي الحقيقة ساهم زاعمو النهج العَلماني في غرس الكثير من المغالطات في ذهنية رجل الشارع البسيط المتمسك والمدافع عن دينه حول ماهية الَعَلمانية وتطبيقاتها بسبب ضعفهم الابستمولوجي حول النهج الذي يزعمونه واعتمادهم على الغوغائية في الطرح لا يختلف عن غوغائية الكثير من القوميين الشيفونيين والشيوعيين الدغمائيين سابقاً.

ولهذا، من أهم التحديات التي يواجهها المواطن الخليجي العلماني الحقيقي الذي ينطلق من منهجية معرفية راسخة هي قضية عدم وجود الثقة بينه والمتلقي. لا سيما في وجود تقارب وتقاطع مصالح بين السلطات السياسية والدينية تصل قمة ذروتها في الحالة السعودية كزواج مقدس بين السلطتين. كل هذا أدى إلى وجود مساحات كبيرة يتحرك فيها رجل الدين السلفي بحرية لنشر أفكاره وآرائه لا سيما عبر الإعلام.

ومن ضمن الأخطاء والمعضلات التي وقع فيها بعض من يحملون رايات المشاريع المدنية والتقدمية من مفكرين وكتاب عندما وضعوا خيارهم وولائهم بين فكي كماشة، بين ثنائية الدولة الدينية و(العسكرية أو دولة الفرد أو الأسرة)، والذي حسب منظورهم يقع تفضيلهم واختيارهم على أقل وأخف الضررين، الخيار الثاني. ولد هذا إلى أزمة ثقة وقلة مصداقية بينه وبين المواطن البسيط الذي لا يهمه إلا المطالبة بأبسط حقوقه.

هذا على مستوى العقل الجمعي الشعبي، بيد أن هناك أيضاً إشكالية وتحدي آخر تواجهه الجماعات العلمانية في الخليج، وهو عدم وجود مشاركة سياسية فعلية عبر وجود أحزاب سياسية تنطلق من رؤى ومناهج وآيديولوجيات من ضمنها العلمانية، باستثناء تجربتي الكويت والبحرين. لذا المقصود هنا بالجماعات العلمانية ليس أكثر من أفراد يتحركون بشكل فردي ويتقاطعون بقناعات متماثلة أو متقاربة. وعدم السماح بتأسيس والعمل في أحزاب بهدف المشاركة السياسة ساهم بشكل كبير في تقليل أو حتى عدم تأثير وفعالية الفرد العَلماني في المجتمع بأفكاره فضلاً عن قدرة تموضعه المؤثرة وفعاليته في الحكومات. حيث أن الأحزاب بطريقة عملها التنظيمي الممنهج القائم على برامج سنوبة أكثر قدرة على الضغط والتأثير.

أضيف، أن هذا الواقع أدى إلى وجود ديمقراطية شكلية على مستوى البرلمانات في دول الخليج لا تتجاوز الصندوق -على الرغم أن معظم هذه البرلمانات أيضاً هي شكلية فقط وتفتقر للصلاحيات وهذا موضوع آخر- حيث أنها قائمة على الأكثرية والأقلية الطائفية والقبلية وليس الأكثرية والأقلية السياسية. نتيجة عدم وجود الأحزاب السياسية وكذلك عدم وجود عَلمانية في شكل إدارة الدولة بتبنيها دين ومذهب يمثلانها.



المستقبل

في حوار مع صحيفة (لوموند) الفرنسية عن تحول مسار حزب النهضة التونسي القائم على فلسفة الإسلام السياسي، صرح راشد الغنوشي زعيم النهضة وأحد أهم منظري الإسلام السياسي في تونس والعالم الإسلامي قائلاً: “نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المسلمة. نحن مسلمون ديمقراطيون، ولا نعرف أنفسنا بأننا إسلام سياسي”.

وأكد الغنوشي أن النهضة “حزب سياسي، ديمقراطي، ومدني له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية”. وأضاف: “نريد أن يكون النشاط الديني مستقلاً تماماً عن النشاط السياسي. فهذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا مستقبلاً متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية. وهو جيد أيضاً للدين حتى لا يكون رهين السياسة وموظفاً من قبل السياسيين”.

نلاحظ أن الإسلام السياسي عندما كان في صف المعارضة كان يغطي فجاجته بالمظلومية وكان يكابر ويضع نفسه فوق الانتقاد لأنه الممثل الأعلى للدين والناطق به. لكن عندما أصبح في وضع الحاكم في أكثر من جغرافيا، بانت نواقضه وظهرت فجاجته وتأخره وانفصاله الابستمولوجي والكوسموبوليتي؛ فكان لابد أن يلعب السياسة بانتهازيتها ويتنازل عن كل مبادئ “الإسلام السياسي”، ليبقى متشبثاً لأطول فترة ممكنة.

ذكرت أن أهم التحديات التي يواجهها الفرد العَلماني يمكن تصنيفها على مستويين: الأول ابستمولوجي، والثاني سياسي. المثال الذي ذكرته يعطينا صورة ومقاربة أن التغيير لا يمكن أن يحدث قبل أوانه، قبل أن تتوافر كل الأسباب والظروف الدافعة للتغيير. القرار الذي اتخذه حزب النهضة ليس بالقرار السهل الذي من الممكن أن نعتبره مجرد مناورة سياسية ليس إلا. هي خطوة كبيرة باتجاه العَلمانية -عدوهم اللدود- ولو لم يصرحوا بذلك. بتفاؤل مفرط هذا التغير سيكون مؤثراً في قادم السنوات على الإسلام السياسي في الوطن العربي والإسلامي بشكل عام لأنه سيقلل من وطأتهم على دعاة العَلمانية والأحزاب العلمانية في الكويت والبحرين. وسيجد المواطن نفسه أمام أحزاب تتقارب في الطرح لا يوجد من يدعي الناطق باسم الدين والحقيقة الدوغمائية المطلقة، وهذا سيصب في مصلحة الجماعات العلمانية وزيادة فرصة تموضعها داخل الأنظمة السياسية، وهذا ما عنيته بالبعد الابستمولوجي.

وأضيف بتفاؤل مفرط آخر أيضاً، هذا التحول قد يكون مؤثراً حتى على مستوى القيادات في الخليج الذي سيدفعهم للتغيير وعلمنة الدولة، خاصة إذا اجتمعت ظروف أخرى مثل الضغط الشعبي المنظم للمطالبة بعمل إصلاحات سياسية تصل على مستوى عَلمنة الدستور، ليبقى أيضاً متشبثا لأطول فترة ممكنة، وهذا هو البعد السياسي.





21‏/05‏/2016

لماذا أختلف مع بياني عبدالله حبيب وسليمان المعمري لا شخصيهما؟ - محمد الفزاري

هذه التدوينة عبارة عن منشور فيسبوكي ردا على منشوري الصديقين العزيزين محمد العجمي وإبراهيم سعيد.


قبل دخولي في سبات فيسبوكي جديد، أحببت أن أعبر عن وجهة نظري حول منشوري الصديقين العزيزين الأستاذ محمد العجمي والأستاذ إبراهيم سعيد الموجودة صورتهما أسفل منشوري هذا في التعليقات. في البداية أنا سعيد بمثل هذا الحوار والاختلاف الراقي في تعدد وجهات النظر الذي يناقش الأفعال والمواقف فقط بكل احترام وتقدير بعيدا عن الشخصنة. ولأني من ضمن الموجه لهم خطاب العتاب في كلا المنشورين بحكم مشاركتي في حملة النقد والامتعاض، ولأني أمثلني فقط سأتحدث باسمي. عندما اتخذت موقفا عبرت فيه عن حزني وانزعاجي بعد قراءتي بيان الأستاذ العزيز عبدالله حبيب عندما تم الإفراج عنه، وكذلك الموقف نفسه من الانزعاج بعد قراءتي بيان الصديق العزيز الأستاذ سليمان المعمري بالأمس، لم يكن هذا الموقف يناقش قيمة وقدر العزيزين كأشخاص قط، ولا يناقش قيمتهم الثقافية وقاماتهم الإبداعية التي أحترمها وأجلها ولا يختلف اثنان على ذلك، وأراني تلميذا أمام هاتين التجربتين.

عندما بعثت رسالة بريدية خاصة لأحد الأصدقاء المقربين المشترك بيني وبين حبيب لأواسيني وأعزيني معبرا فيها عن حزني وطارقا باب الشك حول ما آل إليه فهمي ومتسائلا عن مدى صحة موقفي*، وكذلك عندما نشرت بالأمس منشورا ساخرا، مباشرة بعد نشر سليمان بيانه وقراءتي له، يحتوي على رمزي "الديتول" و"الكرك" كإشارة للبيانين -الذي لم أتوقع انتشارهما لهذه المستوى بعد ذلك وهذا إن دل يدل على مدى استياء الجمهور من متابعيهم ومحبيهم من موقفهم وليس من شخصهم- كنت على ثقة بفهم وتفهم كلا الأستاذين وما زلت أراهن على ذلك أنهم لم ولن يستقبلوا النقد كأنه تجريح في شخصهما قدر ما هو تعبير عن رفض لفعلهما وموقفهما فقط فقط بعيدا كما قلت عن شخصهما ولا يمس قيمتهما الثقافية والإبداعية. كمحمد كنت أيضا سأتخذ ذات الموقف مع ذات الفعل لو صدر من طرف آخر لأن هذا الموقف متعلق بالمبادئ ودفاعا عنها وليس لها علاقة بالشخوص البتة.

ما زلت أدين أعتقالهما كما أدنته سابقا، وسأدينه غدا لو تم اعتقالهما من جديد أيضا، لأن المبدأ لا يتجزأ وليس له علاقة بالشخوص. نعم أحترم وجهة نظرهما قبل السجن وبعد السجن. لكن الاحترام لا يعني عدم الانتقاد، وجميعنا غير منزه من الانتقاد وغير معصوم عن الخطأ. ولهذا رغم عدم موافقتي الكلية لما كتبه حبيب في المنشور الذي تسبب في اعتقاله ومعي تحفظات شخصية عليه، لكن هذا لم يمنعني من تنديد واستنكار تقييد حريته ومصادرة حقوقه واعتقاله وتغييبه لمدة طويله في السجن لمجرد رأي. لأني أعيد وأكرر الموضوع متعلق بالمبدأ وليس بالشخص. الجانب الأخر، البيانان تم نشرهما في العام، لذا من حقي كمتلقٍ أن أتقبلهما بالكامل أو أرفضهما بالكامل أو فقط تكون لدي بعض التحفظات أقدمها بأسلوب مهذب بعيدا عن الشخصنة. هذا هو ما يسمى باحترام حرية التعبير، أن تقول ما تشاء معبرا فيها عن خياراتك وقناعاتك، لكن من حقي كملتقٍ أيضا أن أقبل أو أرفض، من حقي أن أنتقد أو ألوذ بالصمت، لكن ليس من حقي أن أصادر حريتك وأسجنك لأني فقط أختلف معك في وجهة النظر.

أما عبارة "شيطنة الدولة" النخبوية التي تستخدم أحيانا لتوصيف ممارسة النقد، لدي عدة تحفظات عليها، لكن أتجاوز ذلك وأؤكد أني شخصيا لن يرضيني ولن أتقبل لو حاول الأساتذة الأعزاء شيطنة الأجهزة الأمنية عن طريق نشر ما هو غير الحقيقة والقول مثلا إنهما تعرضا للتعذيب الجسدي بأساليب معينة، لأن كل من اعتقل في القسم الخاص يعلم ما يحدث هناك بالضبط، ولم أطالب بذلك قط. بيد أن رفضي كان واضحا وصريحا، هو اختلافي التام تحوير القضية والخروج بها من مسارها الحقيقي وهو "انتهاك حق حرية التعبير" إلى مسار بعيد جدا. فالقيد لو كان ذهبا وألماسا فسيبقى قيدا تسبب في اغتصاب حق من حقوق الإنسان الأساسية. الموضوع متعلق برمزية الفكرة وقيمتها المعنوية أكثر مما هو متعلق بمستوى جمال وراحة السجن، هل كانت قضبانه من ذهب أو حديد، هل كان به تكييف أم لا، هل يطهر بالديتول أم لا، هل يقدمون الكرك بالزنجبيل أم من دونه. وليس أيضا له علاقة بالمقارنات التي ذكرت، بين دولة وأخرى. بين زمن وآخر، بين فترة حكم السلطان سعيد أو السلطان قابوس.

ولا ضير أن أختم حديثي هنا بنفس العبارة التي ختم بها المعمري بيانه تأكيدا لنفس المعنى: "أتدرين ما الوطن يا صفية؟، الوطن ألا يحدث كل هذا".


04‏/05‏/2016

محزن جدا عندما نجد مثقفينا هم من يربون الاستبداد في دواخلنا، ولو كان من دون قصد.. فكيف لو كان الحبيب عبدالله حبيب! - محمد الفزاري


نسخة طبق الأصل لرسالة بريدية بعثتها لأحد الأصدقاء المقربين لأواسيني وأعزيني ، معبرا فيها عن حزني وطارقا باب الشك حول ما آل إليه فهمي.






الصديق العزيز .....

أتمنى أن تكون بصحة وعافية أنتم وأسرتكم الكريمة.

فقط أحببت أن أشاركم بعض الحزن والامتعاض لا أكثر وأعتذرللازعاج. وأتمنى أن أسمع رأيكم حول الموضوع، لو كان يستحق الالتفات. في الحقيقة رغم فرحي الكبير اليوم بخبر الإفراج عن طالب وعبدالله والدارودي، لكن خبث السلطة في العفو السخيف المتأخر جدا الذي قدموه منة لطالب، كدر خاطري في الصباح، وللأسف الكثير من محبي طالب وقعوا في الفخ. بيد أن هذا الموضوع خارج أمنياتنا وما باليد عليه حيلة لتغييره.

لكن ما أحزني أكثر وأكثر وهذا سبب مراسلتي لكم، هو تعليق العزيز الحبيب عبدالله حبيب حول سبب استدعائه، وماتعرض له، وموقفه بعد بالافراج، عبر صفحته في الفيسبوك، وستجدون في المرفقات نسخة من منشوره.

هل أنا مخطئ فيما سأقوله الآن؟!:

في الحقيقة كنت متوقع منه قول الكثير مما قاله، قياسا بما قام به سابقا الشاعر ناصر البدري بعد الإفراج عنه مباشرة كذلك. وشخصيا ليست لدي أي مشكلة لقول كل ما قاله وسرده في منشوره، وقول الحق فضيلة إحقاقا للحق، وحتى موضوع الاعتذار، شجاعة منه. 

لكن ما فهمته وكدر خاطري هو تهميشه لمبدأ حرية التعبير وضربه للمبدأ عرض الحائط بشكل واضح جدا، وهذا ما لم استسغه. لغى بالمطلق حقا أصيلا وطبيعيا عندما برر وأعطى السلطة الحق في اعتقاله، لاسيما عندما وضع خطوطا وحدد مبدأ حرية التعبير في حدود معينة تتناسب مع أهواء وأمزجة السلطة! 

بعد كل ما قلته، أشير وأؤكد، أبقى مؤمنا بعدم وجود حقيقة مطلقة، وهذا ما أدربني عليه في تعاملي مع الآخر المختلف. حيث قدر الإمكان لا أكترث ولا أشطط غضبا لما يقوم به ويقوله الآخر ولو كان أقرب الأصدقاء. الكل حر في الطريق الذي يختاره ويسلكه، ما لم يتجاوز حريتي الشخصية ويتعدى حقوقي الطبيعية. 

لكن، لكن، محزن جدا عندما نجد مثقفينا هم من يربون الاستبداد في دواخلنا، ولو كان من دون قصد.. فكيف لو كان الحبيب عبدالله حبيب!


سلام ومحبة
محمد

04‏/04‏/2016

Is Oman really the peaceful anomaly of the Middle East? - Mohammed Alfazari


Revered as an icon of stability, ruler Sultan Qaboos maintains Oman's remarkable success... but at what price?





- Wrriten By: Madeleine Miller

"On our flag, green is for farming… red represents what we have been through, wars and expelling the Portuguese… and white represents peace. We are now a peaceful country," says my Omani guide as we tear along one of Jebel Shams’ rocky roads.

This was certainly not the first, nor the last time I heard this in Oman.

Tranquility is an image difficult to fathom for a nation bordering warring Yemen and sandwiched between the flaring tensions of Sunni Saudi Arabia and Shia Iran on the cusp of a proxy war. It seems like a concoction destined to fail; three sects of Islam (Ibadi, Sunni, Shia), an array of differing ancestries; Arab, African, Baluchi and Indian, and an injection of two million expatriate workers from Asia and Europe.

Yet I found myself stunned by how seamlessly Omani’s multi-sectarian society appeared to be stitched together. In Muscat, Omani men and women stroll along the beach in thobes and abayas, dodging Italian and German tourists sunbaking in bikinis and board shorts.

Omani couples have a sociable hit of badminton on the pavement, while African, Arab and Pakistani men enjoy a traditional game of Hawalis in the dirt. The Shia Islamic minority attends a mosque located at the forefront of Muttrah’s bustling corniche. Young affluent Omanis can be spotted enjoying conspicuous alcoholic beverages in hotels. Few people lock their cars, insisting that crime is rare.


Unlike neighbouring Yemen which has one of the highest rates of death by terrorism in the world with a global terrorism index (GTI) of 7.6, and Saudi Arabia which produces the second highest number of foreign fighters with a GTI of 4, Oman received a 0; indicating no impact of terrorism.

"We like peace. My family is Ibadi. My daughter, she married a Shia. There are no real differences between us," an Omani port worker tells me proudly.

"If someone does something bad," says my guide, "It doesn’t matter what type of Omani you are. We all agree you should be punished."


A jewellery seller in Muttrah from Indian Kashmir says he has been enjoying life in Oman for 30 years. "It’s the Omani people. They’re very friendly, nice people."

Two cafe workers from Bangladesh and Sri Lanka agree, although they miss home, have found Oman to be a very peaceful, relaxed and welcoming place. These kinds of sentiments were a stark contrast to those of the conversations I had with hospitality workers when I was studying in Qatar.



Reign of Sultan Qaboos

Yet Oman was scarcely a unified country when Qaboos bin Said al-Said toppled his father Sultan Said bin Taimur and became Sultan 1970. Although an elusive figure, he has an ubiquitous presence throughout Oman. Portraits of his face, big and small, adorn shop windows, car doors, hotel lobbies, shop fronts and desk counters. His super yacht - a bit of an eye-sore at 155m long - lies moored in the Muttrah Corniche, calibrating his rule.

The Oman of the 1950s, "A truly medieval state… vanished like a dream” after Sultan Qaboos’ takeover, wrote illustrious travel writer Jan Morris

The country suffered from shocking levels of disease and poverty. There was 10km of road, one private hospital and three primary schools, and no electricity grid. Most educated Omanis were living as expats abroad.

For many Omanis, particularly the older generation, these days of darkness haunt their collective memory. On route to al-Hamra, a town an hour from the capital, my guide and I stopped by an abandoned village. Most of the town’s inhabitants had been slaughtered for collaborating with the Imam staging a revolt against the rule of the British-backed Sultan Taimur. My guide describes the lifestyle of his family and village 40 years ago when survival depended on hunting rabbits and birds. His sisters are now English teachers and he works in tourism.

Today, Oman has been recognised by the United Nations Development Programme as one of the top Human Development Index (HDI) movers in the last 40 years, with development as remarkable as China and South Korea. This transition is humbly marked by an annual "Renaissance Day," the day Sultan Qaboos acceded to the throne.

His seeming bravery and leadership in Middle Eastern diplomacy and pragmatism in foreign policy have also earned him international admiration and respect. Oman was the only Gulf state that refused to join the Saudi-led coalition in Yemen. Sultan Qaboos has advised both Israel and Palestine to de-escalate tensions, and he played an instrumental role in the facilitation of nuclear talks between Iran and the US. 

Many Arabs and South-East Asians share this marvel for Oman’s Sultan, particularly those who feel betrayed by the promised fruits of democracy. A Pakistani foreign worker shudders when I talk to him about his homeland. "Pakistan is not good. We have democracy but the situation is very bad. Oman is good. They have peace. No violence." It is a view that can be empathised with. The Facebook page calling for him to be awarded a Nobel Peace Prize has gained a not insubstantial following of 129, 319 people.




But at what cost?

However, the vacuum of criticism in Oman and the apparent unvitiable pedestal the Sultan occupies in the international eye is unsettling. "Oman’s public image of tourism and a progressive country hides quite a different reality," says Radidja Nemar, chief legal officer of the Gulf region for Al-Karama, a Geneva-based, independent human rights organisation. "There is virtually no freedom of expression."


Upon his visit to Oman in 2014, the United Nations Special Rapporteur on the Rights to Freedom of Peaceful Assembly, Kiai found a "pervasive culture of silence and fear affecting anyone who wants to speak and work for reforms in Oman." The superficial separation of power between the executive and the judiciary dangerously situates activists and journalists who dare to criticise or question.

Broad criminal laws including the prohibition on any publication that "leads to public discord, violates the security of the state or abuses a person’s dignity or his rights" (Article 31, Oman’s Basic Law), and insulting or defaming the "Sultan’s rights or authority" (Article 126, Penal Code), confers the Sultan’s cabinet arbitrary punitive powers, deciding "who gets arrested, who stays imprisoned and for as long as they see fit," says Nemar. Any private gatherings of more than nine people without authority approval are illegal, as is forming a relationship with foreign organisations.


Mohammad al-Fazari is an Omani who has suffered reprisals for speaking his mind on the government and demanding civil and political freedom. A participant in the 2011 Arab Spring protests, al-Farazi protested for democracy, a real parliament with legislative powers, a new contractual constitution, transparency and separation of powers. Throughout 2012 and 2013, al-Farazi faced numerous arbitrary arrests and interrogations, including charges of "insulting the sultan" and engaging in an "illegal gathering".

In 2013, al-Farazi founded Al-Mowaten, an independent news magazine concerning Omani society - after which he says his life became exceedingly difficult. In August 2014, he was arrested "for reasons that concern him personally" after calling upon Omanis to talk to the UN Special Rapporteur for Freedom of Assembly, Mr Kiai, during his visit to Oman.

After urgent appeals by human rights organisations including Al-Karama, he was released days before Kiai’s visit and put under strict surveillance. Months later when al-Fazari tried to travel from the airport, his identity documents were confiscated and he was prevented from travelling overseas. The primary purpose of the confiscation of travel documents, says Nemar, "are to prevent them from travelling and gaining refugee status, but also to punish them because without their papers they are very limited in the activities inside the country (ie driving a car and daily administrative matters)."

Al-Fazari managed to escape Oman without his papers and is currently living as a political refugee in Britain. Due to recent arrests and interrogation of other Al-Mowaten contributing journalists living in Oman, on 14 January 2016, the magazine was forced to cease publishing. 


However, it is not just journalists who are denied a voice. Talib al-Mari was a member of the Sultan’s Consultative Council who is currently serving a four-year prison sentence for "harming the prestige of the state," despite multiple attempts at intervention by UN experts. Al-Mari was protesting against the effects of petrochemical pollution on his local community in 2013. Such an arrest also surely sullies the earnestness of Sultan Qaboos’ UNESCO International Award for Environmental Protection.
Justifications

In 2014, Dreamlab CEO, Nicholas Mayencourt, responded to Wikileak’s "Spy Files" implicating the Swiss company and British surveillance company Gamma Group in the installation of internet spy surveillance equipment in Oman. He argued that Oman "is the most advanced country in the Arab world… On the beach you see women in bikinis… Just because Oman is not a Western democracy and the Sultan may overrule the decisions of parliament is not all bad."

This is a similar excuse expounded by the government. In response to Kiai’s Freedom of Assembly report, Oman argued that the government prioritises "public convenience over disturbance, or peace and quiet over commotion".

However, Kiai emphasised that civil and political rights, and stability are not mutually exclusive. "Human rights are the foundation for true and sustainable stability." He warned: "When a government fails to provide an outlet for popular sentiment, it loses a valuable opportunity to feel the pulse of the nation, and effectively creates a sealed vessel under pressure that will eventually explode with dire consequences."

With the Sultan now encroaching old age, suffering from cancer, and with no children or siblings to be heir to the throne, the horizon for Oman is looking increasingly uncertain. The Imam also died in 2009 and has yet to be replaced. Can Oman withstand another authoritarian ruler, especially one lacking the historical rapport of Sultan Qaboos? Or will the seemingly idiosyncratic Oman, as Kiai predicts, sit like a ticking bomb so long as it remains voiceless?



نشر التقرير في صحيفة:  Middle East Eye

02‏/01‏/2016

ناشطان عمانيان يرصدان لـ(شؤون خليجية) حقيقة الوضع الحقوقي بالسلطنة في (2015) - محمد الفزاري

شؤون خليجية - شدوى الصلاح
2015-12-31





رصد ناشطان عمانيان حقيقة الوضع الحقوقي والسياسي بسلطنة عمان خلال العام 2015، مؤكدين أنه شهد انتهاكات حقوقية لا حصر لها من قبل السلطة الأمنية التي تتحكم بجميع مفاصل الدولة، لأنها تعد الحاكم الفعلي للدولة، وكل ما يهمها هو استقرار وضعها وإخراج كل منتقد ومعارض لسياستها.

وطالبا في تصريحات خاصة لـ"شؤون خليجية"، بكتابة دستور جديد ينظم الحياة السياسية وعلاقة الشعب بالحاكم، ومراجعة القوانين واستقلال العمل الحقوقي.



استمرار انتهاكات السلطة الأمنية

وقال الناشط الحقوقي العماني نبهان سالم- رئيس المرصد العماني لحقوق الإنسان– إن عام 2015 شهد استمرارًا لانتهاك السلطة الأمنية للكثير من حقوق المواطنين، وتصاعد حدة التجاوزات، مشيرًا إلى أن بعض الناشطين تم سجنهم والحكم عليهم في أكثر من قضية، والبعض تم منعهم من السفر وسحب جوازات السفر منهم، والتضييق في العمل.

وأكد "سالم" في تصريحات خاصة لـ"شؤون خليجية"، على ضرورة مراقبة عمل السلطة الأمنية ومعاقبتها على أي تجاوز، والتعديل والحذف في الكثير من بنود المرسوم السلطاني 38/2014، قائلًا: ليس من المعقول أن يترك لوزارة مثل الداخلية حرية تقرير سحب جنسية أي مواطن، مهما تعللت بالدواعي الأمنية.

وشدد على ضرورة مراجعة العديد من قوانين وبنود قانون الجزاء العماني، مثل المواد 126،130 و135 إلخ من المواد، التي تكرس القمع وتحارب حرية التعبير والنشر.

وقال: إن "استقلالية العمل الحقوقي أصبحت ضرورة ملحة، ولا يعقل وجود لجنة مثل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، تمثل وجهة نظر الحكومة وتعمل على التبرير والتغطية لأي انتهاك تقوم به السلطات الأمنية".

وأشار إلى أن النظام الأساسي للدولة، أصبح اليوم مهترئًا لا يتماشى مع متطلبات العصر، ويومًا بعد يوم يظهر أنه مجرد عدد من البنود والنقاط لأفكار وخواطر شخص، قائلًا: "آن الأوان إلى كتابة دستور جديد يعكف على تخطيطه وإعداده وكتابته نخبة من الأكاديميين والقانونيين والحقوقيين... إلخ، مما يضمن وجود دستور حقيقي كوثيقة يعتد بها ويعتمد عليها في تنظيم الحياة السياسية وعلاقة الشعب بالحاكم والحكومة".

وأكد "سالم" أنه مع تصاعد حدة التجاوزات الأمنية، سيشهد العمل الحقوقي تراجعًا ملحوظاً سيؤثر بلا شك على أداء العناصر المستقلة في الرصد والمتابعة، خاصة وأن تجاوزات المؤسسة الأمنية خارج رادار المراقبة والمعاقبة.

وشدد على أن هذا التراجع لن يكون تأثيره فقط على الناشطين الحقوقيين أو على العمل الحقوقي، بل سيشمل كذلك مجالات أخرى، مثل حرية التعبير والنشر وانتقاد أداء الحكومة وقرارات السلطة التشريعية، وهي الغاية التي بلا شك يسعى لها السلطان قابوس، عبر السماح للسلطة الأمنية بالقيام بدور شرس وغير أخلاقي، والتي عادة ما يتم تغليفها لدواعي الأمن.



صورة خارجية خادعة

من جانبه، قال الكاتب والناشط السياسي العماني محمد الفزاري- رئيس تحرير مجلة مواطن الإلكترونية: "إنه بات واضحًا للمراقب للملف الحقوقي في عمان سواء من الداخل أو الخارج، أن السلطة الأمنية في عمان تحكم قبضتها على الشعب، وهذه السياسة أعطت عمان صورة خارجية خادعة عن الوضع الحقوقي في عمان. ليس فقط في الخارج بل حتى في الداخل".

وأكد "الفزاري" في تصريحات خاصة لـ"شؤون خليجية"، أن السلطة في عمان لا تختلف في استبدادها وفي عدم تقبلها للتعددية مثلها مثل أي دولة خليجية، لكن هذه السياسة الماكرة والخبيثة سهلت لها الظهور بمظهر المتسامح والمتقبل للاختلاف والانتقاد في عيون المواطن المخدوع، في الداخل قبل الخارج.

وأشار إلى أن السلطة الأمنية في عمان كما يعلم الجميع، تتحكم بجميع مفاصل الدولة بتوجيه من دوائر صغيرة قريبة من السلطان، وهي الحاكم الفعلي للدولة، لافتًا إلى أن الأجهزة الأمنية تسيطر على الوضع الثقافي وتمنع ما تشاء من فعاليات وتسمح لمن تشاء بدون أي أسباب قانونية، لهذا من الطبيعي ألا تسمح لأي حراك حقوقي، ولأي محاولة لتأسيس نواة فريق أو جمعية تهتم وتتابع الشأن الحقوقي، الذي يمثل المجتمع المدني.

وأضاف "الفزاري": "رغم كل هذا المستوى من السيطرة والتحكم سيبقى معظم المجتمع مخدوعًا من الوجه الذي تظهره السلطة الأمنية، بسبب أساليبها الترويضية المتعددة والمتنوعة التي تسبق آخر الدواء الكي وأعني السجن، ومن أهم أساليبهم التضييق معيشيًا على المواطن الذي يحاول أن يختلف عن صوتهم، والضغط عليه عن طريق أهله ووظيفته ومسؤوليه في العمل، التهديد بأسرار حياته الخاصة.. إلخ". وتابع: "لو جميع تلك الأساليب لم تنجح بدون شك آخر الدواء ينتظره وسيكوى المواطن بنار السجن، مثل ما حدث مع د. طالب المعمري وسعيد جداد مؤخرًا، لأن القضاء العماني غير مستقل عن أهواء السلطة في القضايا السياسية والحقوقية".

وأشار "الفزاري" إلى أن المراقب للوضع الحقوقي سيلاحظ مؤخرًا، أن السلطة بدأت تستخدم كثيرًا طريقة أو أسلوبًا تأديبيًا جديدًا، وهو سحب الوثائق الشخصية، جواز السفر والبطاقة الشخصية. أيضًا".

ولفت إلى أن من الملاحظ أنه أصبح هناك تقارب كبير وخطير بين السلطة الأمنية والسلطة الدينية في عمان، وهذا منزلق خطير جدًا، نتيجة هذا التقارب حاليًا في عمان يوجد مواطن، حسن البلوشي "البشام"، يحاكم بتهمة التطاول على الذات الإلهية بجانب تهم أخرى معروفة جاهزة ومغلفة، مثل المساس بذات السلطان والتقليل من هيبة الدولة.

وأوضح أن هذا التقارب لم يظهر فجأة، حيث كان جليًا منذ فترة طويلة أن السلطة الدينية، سواء كانت الرسمية أو غير الرسمية، كانت تمارس دورها في نشر أفكارها عن طريق فعاليات متعددة ومتنوعة بكل أريحية، وفي ذات الوقت هناك تضيق كبير ومبالغ فيه من قبل السلطة الأمنية على الفعاليات الثقافية والتنويرية بشكل ملحوظ.

وتابع: "يجب أن تعلم هذه السلطة أنها لم ولن تمنع المواطن من التفكير والمقارنة، مهما منعت وضيقت وحاولت بشتى الطرق، لن تستطيع أن تخرس الناس من الانتقاد خلف الجدران وداخل البيوت".

وقال "الفزاري": "أكاد أجزم أن ما يقيد المواطنين من الصراخ بأعلى صوت هو صورة السلطان المقدسة التي زرعتها البروباجندا في أذهانهم، وإذا تلاشت هذه الصورة سينفك القيد، رغم تأثير ما ذكرت بشكل نسبي. لأن التغيير دائمًا يأتي من أفراد قلة، والسلطة تحكم قبضتها على هذه الأفراد بشكل محكم".

ولفت إلى أن سياسة تكريس الصوت الواحد لها تأثير بشكل واضح على عجلة التقدم في عمان، واصفًا عمان الآن ببحيرة ماؤها أصبح آسنًا، بسبب غياب الشعب عن المشاركة في صنع القرار، وغياب النقد والمعارضة.

وقال إن الولاء للنظام العماني هو المعيار الأول للحصول على الحقوق وحتى الترقي في السلم الوظيفي، مشيرًا إلى أن السلطة تثبت يوم بعد يوم بممارساتها غير القانونية نهائيًا، أن عمان مجرد مزرعة تحت نفوذها، وكل العمانيين مجرد قطيع في هذه المزرعة.

وأضاف "الفزاري": "نستطيع القول إن جميع الاعتقالات وما شملتها من إجراءات غير قانونية وغير إنسانية، ممكن وصفها على أقل تقدير بالإجراءات الهمجية، التي لا تقوم بها أي سلطة تحترم أبسط حقوق المتهم أو المعتقل، هو الوجه الحقيقي لهذه السلطة وأجهزتها الأمنية".

وبين أن السلطة يهمها استقرار وضعها وإخراس كل منتقد ومعارض لسياساتها، أكثر من همها على سمعتها خارجيًا، ولهذا السبب جميع البيانات والتقارير الحقوقية لا يوجد لها أي تأثير على السلطة، وهذا وضع طبيعي في دولة لا يوجد بها إلا صوت السلطة التنفيذية، ويغيب عن المشهد صوت السلطة التشريعية وصوت الشعب. رغم أنها تعمل بطرق أخرى في تلميع صورتها دوليًا.


المصدر : شؤون خليجية - خاص