أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

26‏/09‏/2016

من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش؟! - محمد الفزاري


قبل أيام كتب الصديق العزيز نبهان الحنشي في صفحته  الشخصية في الفيسبوك العبارة التالية: "بعض معاني الحياة، أن تعيش مع الآخرين، لا أن تعيش عن الآخرين!". من منطلق تلك العبارة، التي شجعتني القول، أجدني (مضطرا) لتوضيح نقطة معينة ل "بعض" الناس. هذا البعض الذي اختار أن يعيش عني بدل أن يعيش معي.

1- بغض النظر عن الظروف التي دفعتني للخروج من عمان سواء على مستوى التضييق الأمني من اعتقالات واستدعاءات أو حتى عندما سحبت وثائقي الشخصية لفترة طويلة (الجواز والبطاقة الشخصية)، أو غيرها من أسباب.... أراني أملك كامل الأهلية لأكون حرا في قراراتي ولدي مطلق الصلاحية لاتخاذ أي قرار أراه مناسب لي، ومن ضمنها تحديد مكان عيشتي، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

2- لم تتحمل مصاريف خروجي، ومصاريف إقامتي منذ خروجي، ولم تكن هناك مساهمة مشروطة يوما ما ووافقت أنا عليها، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

3- لم أتفق معك قبل السفر، ولم أتفق معك بعد السفر كذلك بأهداف ولا بخطة معينة، لا على المستوى الشخصي ولا على المستوى السياسي أو الحقوقي أو أو...وحتى لم أصرح يوما، سواء قبل سفري أو بعد سفري بأني أملك أهداف محددة بعد خروجي وذكرتها علنا، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

من منطلق كل ماذكر، من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش، وماذا أفعل وماذا لا أفعل، ماذا قدمت وماذا سأقدم ؟!!!!!!!!!!!!!

19‏/09‏/2016

#سجن_نعيمة المقبالي - محمد الفزاري




















١- اتضامن مع نعيمة المقبالية لو حقا تم اعتقالها بسبب مجموعة تغريدات ومقاطع فيديو نشرتها في صفحاتها، كما وصلني. اتضامن معها كما تضامنت مع العديد من المعتقلين سابقا احترما لمبدأ "حرية التعبير والاعتقاد" الذي أقدسه وأنادي به وأدعوا له، رغم اختلافي مع غالبية المعتقلين في عدة قناعات، وهذا أمر طبيعي. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديس المبادئ أهم بكثير من تقديس الشخوص، وفوق كل اعتبار آخر. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديسي للمبدأ عبر تضامني مع معتقلي حرية التعبير والرأي، لا يعني بتاتا تأييدي لجميع خياراتهم وآراءهم وقناعاتهم، بغثها وسمينها، وعجرها وبجرها.



٢- عندما تم اعتقال حسن البشام، الدبلماسي السابق وأحد قيادات ميدان الإصلاح في صحار ٢٠١١، بسبب نشاطه عبر الفيسبوك وتوجيه له عدة تهم ومن ضمنها "التجديف علانية على العزة الإلهية "، قلت وقتها أن هذه القضية منعرج جديد ونار جديدة ستحرق وجه كل ناشط إصلاحي وكل مواطن يخالف السائد سواء على مستوى السياسة أو الدين، وهذا فعلا ما يحدث وسيحدث. وحسب علمي هناك كاتب معروف يحاكم حاليا أيضا بذات التهمة. لماذا هذا المنعرج خطير؟! أولا السلطة تعلم بحساسية المجتمع من النقد الديني جيدا، ولهذا ستستغله وتوظفه لمصلحتها السياسية لإخراس كل صوت معارض لها عن طريق توجيه التهمة التي ذكرتها. ثانيا والأخطر هو تقارب السلطة الأمنية والدينية الذي لن يخلف إلا تراجعا على مستوى الحريات وخاصة الفكرية يفوق التراجع الذي سببه التضييق السياسي.

٣- بالنظر إلى المحتوى والآراء اطلعت على كل المقاطع المصورة والتغريدات، التي تم تداولها وينسب بسببها اعتقال نعيمة، ولم أجد ما يثير كل هذا السخط، ويولد كل هذا التشنج؛ فكل ما طرحته يقوله حتى الكثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، لأن هذا هو الواقع فعلا.

٤- رسالة إلى كهنة ورجال الدين في عمان: هل إسلامكم أوإلهكم ضعيف لهذا القدر لكي يحتاج أن يوكل له محامين يدافعون باسمه وجلادين يعزرون بسوطه؟! ما أنتم إلا وجه من وجوه الإرهاب، وصورة مصغرة لداعش. صدق المفكر التنويري عبدالله القصيمي عندما قال: ‏إذا وُجد الإرهاب الفكري فقد وجد كل إرهاب، كما أنه إذا وجدت الحرية الفكرية زال الإرهاب كله.
٥- رسالة إلى حماة الأخلاق والقيم العمانية: أخلاقكم العمانية النبيلة والأصيلة لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد وهو يتصفح وسم #سجن_نعيمة. كل إناء بما فيه ينضح.

٦- أنتَ، أنتِ، محامي الله، حارس القيم، تذكر أنك تملك شخصيتن، واحدة أمام المجتمع، وأخرى تخبئها لأنك تستحي منها. أتوقع أنك أدركت ماذا أعني. 
.
.
.

أرفق هنا تدوينة كتبتها تاريخ 07‏/04‏/2014 بعد الحملة النتنه التي قام بها حماة الأخلاق والقيم العمانية على خلفية نشر القاصة بدرية الإسماعيلية مجموعتها القصصية التي حملت اسم "الملح". أرفق التدوينة لأسبباب معينه أهمها تشابه الجلاد، الثانوي في هذه القضية، الجلاد الإمعة.


الجسد العماني يتألم من الملح

أكتب أخيرا عن الموضوع الذي شغل الشارع العماني في الأيام الماضية، بعد ما آثرت الصمت عن الحديث حول الموضوع محاولا قراءة ردود الأفعال التي بدرت من معظم أطياف المجتمع، باختلافاتها الآيديولوجية والفكرية والمستوى الثقافي في مواقع التواصل الإجتماعي وبعض المنتديات. وحديثي هو حول "الملح" الذي ذرته بدرية الإسماعيلية على الجسد العماني الذي أصابته الكثير من الجروح العميقة - ولست في صدد الحديث حول أسبابها - ما لبث أن انتفض تألما وبدأ يئن ويصرخ حتى وصل به المطاف أحيانا بأن يفكر بقطع تلك الأجزاء المجروحة عن بكرة أبيها؛ بل وحرقها.

ما أريد أن أوضحه هنا بغض النظر عن موقفي من ملح بدرية "هل أؤيد تلك الكتابات من ناحية المضمون أو اللغة أم أرفضها؟"، بعض الملاحظات التي أرجو أن أعرضها بكل حيادية، وبعض التساؤلات التي ستتيح الفرصة للتفكير أكثر حول هذه الظاهرة.

١
هل نستطيع أن نطلق على ردات الفعل تلك والنوبات الخاطفة نتيجة حمى انتشر فيروسها عبر مواقع التواصل الإجتماعي وبالأخص "الوتساب" بأنها تمثل رأي عام للمجتمع العماني!. ما هو الرأي العام لأي مجتمع، وكيف يتكون؟ في أبسط مفاهيم الرأي العام هي تلك المشاعر والأفكار والمعتقدات والقناعات التي يعبر عنها جمهور ما أو مجموعة ما حول قضية معينة تهمه، أو مشكلة تورقه، وهنا تتمحور قوة المجتمع عندما يملك رأي عام حقيقي. ويكون ذلك التجييش من المشاعر وردات الفعل الناتجة عنها رأي عام صحي؛ عندما تغدو ركيزته الأساسية الانطلاق من النزعة الفردية الى الجماعية، وليس بنزعة جماعية إلى جماعية أخرى، يعني عندما تكون هناك أصوات فردية أكثر وعيا بما تقوله وتملكه من خبرات ومعلومات.وفي محصلة نشوء هذه الاصوات الفردية، لا يلبث الحال إلى أن تتحول إلى جماعية صحية غير إمعية. عدة أسئلة تطرح نفسها هنا: كم هم الأشخاص الذين انتقدوا او انتقدوا من أنتقد او أيدوا ما كتب في الملح بعد قراءتهم تلك المجموعة؟، وكم من تلك الأصوات هي ضليعة في الأدب بشكل عام والسرد بشكل خاص؟ ذلك لأن المثل يقول "لا تهرف بما لا تعرف".

٢
هل هناك حراس تم تنصيبهم لحراسة القيم والأخلاق في المجتمع العماني؟، وهل مفهوم القيم والأخلاق بعمومها هي قيم ثابتة، وغير متغيرة حسب الزمان والمكان؟. لنتفرض جدليا أن هناك أناسا تم تنصيبهم، أو نصبوا أنفسهم لحماية الخصوصية العمانية بما تحمله من قيم وأخلاق؟، أليس من واجبهم أن يمارسوا تلك المسؤولية بكل أمانة وصدق وإنصاف، ويكونوا قدوة في تطبيق تلك القيم والأخلاق التي يحمونها؟ كم من القيم والمبادئ وحقوق أفراد ومجتمع تهدر يوميا، ولم نرى مثل ردات الأفعال تلك ولا حتى همسا؟. مع تأكيدي لكي لا يفهمني البعض بشكل خاطئ، أنني لا أحاول هنا توجيه قناعات البعض نحو اتجاه معين؛ لإيماني في الكثير من القضايا الخلافية أنه ليس من الضروري وجود حقيقة مطلقة. أحيانا الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تختلف عن بقرة أفلاطون؛ فالبعض يتشبث بقرنها والبعض بحافرها والبعض الآخر بذنبها. الكل لامس جزء من الحقيقة فقط، والواجب السعي والبحث عن الأجزاء الأخرى، وليس الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.

٣
هل ما حدث من تجييش يحمل بين طياته وأعماقه نوع من التحامل على جنس معين على الآخر، أم لم يحدث؟ فبدون أن أسمي وأشخص كم من الروايات والمجموعات القصصية التي تم نشرها وعرضها في المعرض في السنوات الأخيرة لكتاب عمانيين "ذكور" وكانت تحمل نفس الأفكار وذات المصطلحات، ولم نسمع أي اعتراض من تلك الأصوات التي علا صوتها مؤخرا! هل القيم والأخلاق تختلف عند جنس إلى آخر؟

٤
سقط البعض وللأسف في مستنقع من الوحل وهوى بأخلاقة إلى القاع وهو يدافع عن الأخلاق عندما قام بتشخيص الموضوع وبدأ يتفنن في قذف الكاتبة والبعض منهم لم يتورع عن تأليف القصص الكاذبة، وهذه هي قمة المفارقة. والمثل يقول "كل إناء بما فيه ينضح".


18‏/09‏/2016

قراءة: الإرهاب بين الإسلاموفوبيا والغربفوبيا - محمد الفزاري




يكاد يكون مصطلح "الإرهاب" من أكثر المصطلحات ترددا في وسائل الإعلام وخطب السياسيين وحتى في أجندة وبرامج المرشحين والأحزاب السياسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى اليوم، وكذلك أزعم حتى الغد البعيد جدا. وظفته كثير من الدول الكبرى كأحد وسائل الصراع الناجعة في تحقيق مصالحها، وبوجه الدقة مصالح المسيطرون على الرأي العام وعلى ديموقراطيتها واستثماراتها من شركات عابرة القارات عن طريق الانتقائية في التصنيف حسب أهواء المصالح السياسية والاقتصادية. ولهذا روجت الولايات المتحدة، أقوى قوة بحكم قبضتها الاقتصادية والعسكرية المطلقة، لتصنيفاتها وتعريفاتها للإرهابيين والإرهاب بشكل عام بحسب ما يتناسب مع مصالحها ومصالح حلفائها، وأصبحت كباراديغم أعلى يحتذى به في حربها على الإرهاب عسكريا وإعلاميا. وبدون أدنى شك من الخطأ التعميم أيضا على كل ما هو غربي وإلصاق به تهمة المؤامرة كما تفضله بعض الحكومات العربية المستبدة كأسهل وسيلة للإلهاء والسيطرة على شعوبها. هذه السياسة كذلك انعكست وأثرت على العقل الجمعي العربي كمتلقٍ، وكناقد، فضلا عن تأثير تأويلات الدين وخاصة السياسية منها في شيطنة وتكفير الآخر وإلصاق به تهمة العداء والمؤامرة على الدين الإسلامي. كل هذه التداخلات المعقدة دفعتني لعمل مقاربة حول واقع الإرهاب والإعلام والمتلقي.



واقع الإرهاب
بيد أن تعريف الإرهاب لم يظهر في القواميس العربية حسب شكلها وتعريفها الحالي إلا حديثا، واشتق المصطلح من الفعل المجرد "رهب" الذي كان موجودا في القواميس القديمة ويعني أرهب وخوف وأفزع(1) ، إلا أن ممارسة الإرهاب حسب المفهوم الحالي كأحد الوسائل المستخدمة في الحروب والصدام والسيطرة بين الحضارات في حروبها السياسية والجماعات الدينية في حروبها الطائفية والمذهبية، يعد فعلا قديما مارسته البشرية قديما وحديثا على مر العصور. وهذا بخلاف ما تروج له بعض القوى حاليا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مقصودة أو غير مقصودة، وربط فعل الإرهاب بجماعات معينة ودين معين كأفعال ووسائل مستحدثة لتحقيق أجندتها. 

من خلال بحثي البسيط عن تعريف الإرهاب وجدت العشرات من التعريفات الرسمية لمراكز ومنظمات ومؤسسات حكومية وغير حومية، عربية وأجنبية. الغريب جدا أني لم أجد تعرفين يتماثلان في المفهوم تقريبا، وهنا تكمن أحد أهم الإشكاليات. لا يوجد مفهوم واضح ودقيق متفق عليه دوليا لتعريف الإرهاب. قد يرجع السبب وراء ذلك إلى عاملين: الأول كما أشرت له سابقا وهو أن التعريف يجب أن يتناسب مع مصالح الجهة التي أصدرت التعريف. ثانيا: قد لا يكون هذا السبب بعيدا عن السبب الأول الذي ذكرته إلا أنه أكثر تعقيدا لأنه لا يعتمد على مصالح مادية واضحة المعالم قدر ما يعتمد على عقائد يؤمن بها إنسان ويكفر بها الآخر ويرفضها وينظر إلى متبنيها كعدو أولا وإرهابي ثانيا؛ وأعني هنا العمل النضالي الثوري سواء كان باسم الوطن أو العقيدة، والطرف الآخر هو مكافح للعمل النضالي. وهناك أمثلة كثيرة أهمها في الوقت الحاضر ما يحدث بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. 

إذن ما هو الإرهاب؟ لكن قبل أن أتطرق للتعريف أود أن أشير إلى مسألة مهمة، لكيلا أقع في ذات المطب الذي انتقده سابقا عند تعريف فعل الإرهاب، أزعم أني حاولت أن أقدم تعريفا مجردا من أي مصالح شخصية وغير مبطن بعقائد سواء ثورية أو دينية. الإرهاب يعني هو جريمة يستخدم فيها العنف والقوة أو التهديد بها، ضد مدنيين، بطريقة منظمة، لنشر الرعب والرهبة من أجل تحقيق مصالح ومكاسب معينة، سواء كانت سياسية أو دينية أو عدمية. ومن خلال هذا المفهوم أستطيع أن أصنف أنواع الإرهاب الحالي كالآتي: 1- إرهاب سياسي. 2- إرهاب ديني. 3- إرهاب ثوري. 4- إرهاب عدمي. 


الإرهاب السياسي: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بسياسات سلطة ما ضد شعبها من منطلق الحفاظ على الاستقرار والأمن القومي، أو ضد شعوب أخرى من منطلق إمبريالي وقانون الغاب، القوي يأكل الضعيف. وهذا مباشرة يجرنا نحو نظرية المؤامرة التي تستخدمها السلطات المستبدة، التي أناخت بكلكلها وجثمت على صدور شعوبها منذ عقود طويلة، كشماعة لممارسة إرهابها ضد شعوبها والترويج لها عن طريق وسائلها الإعلامية في أشكال مختلفة من البروبجاندا المبتسرة، كأحد وسائل الإلهاء عن القضايا الكبرى الداخلية، والتجييش نحو فكرة وهمية غير موجودة واقعيا إلا في عقل مدبريها. وأرى أن الواقع العملي جدا مختلف؛ فقانون الغاب هو سيد الواقع، والدول القوية عتادا واقتصادا تسيطر بشكل مباشر وغير مباشر بالدول الأخرى الأضعف، وتبحث عن مصالحها حتى خارج حدودها الجغرافية، وحتى لو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة وحرمة الآخر من الدول. ولهذا بدل تجييش الشعب نحو فكرة وهمية ليبقى أسيرا لها، ويفسح المجال للسلطة في تزعم الشعب بكل أريحية تحت وطأة الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية والرؤية الاقتصادية بحجة الممانعة والتصدي للمؤامرة، على الدولة الضعيفة أن تقوي نفسها من الداخل؛ فتعزيز فكرة المواطنة وقوة التعليم وانتشار العدالة الاجتماعية ووجود رؤية اقتصادية هو أفضل دفاع وحماية لأي دولة من أي عدو خارجي متربص. وهذا ما أكده ابن خلدون في مقدمته عندما قال: "لا نلوم الخارج الذي دخل؟ بل اللوم على الداخل الذي خلق الفراغ".

ولأن العالم يدار بقانون الغاب كما أسلفت الذكر، مارست القوى العظمى شتى أنواع الإرهاب وقت الحاجة والضرورة ضد كل من يقف أمام مصالحها. هذا ما قامت به على سبيل المثال الدولة العثمانية ضد الشعوب المحيطة بها، وهذا ما قامت به النازية ضد شعوب أوروبا الأخرى، وهذا أيضا ما قامت به فرنسا ضد الشعب الجزائري المحتل يوما ما. حديثا، ما قامت به أمريكا في أفغانستان والعراق لا يختلف عن هذا المفهوم من الإرهاب. والأنكى من ذلك، ظهور منظرين لهذا النوع من الإرهاب حتى مسمى نظرية الفوضى الخلاقة! 


الإرهاب الديني: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بدوغمائيات العقيدة وتشريعات الدين نفسه التي تنظر للآخر المختلف بنظرة الكفر المباح دمه، ويتفاوت مستواه مع اختلاف التأويل للموروث الديني. ولو تحدثنا عن إرهاب الإسلاموي وهذا ما يهمني أكثر لسببين: الأول، أكثر نوعا من الإرهاب الديني انتشارا في العالم في الوقت الحالي. ثانيا، خلفيتي الإسلامية تحتم عليّ تشخيص مشكلتي وتفكيكها أولا ومن ثم المحاولة للوصول إلى حلول إن أمكن ذلك قبل الحديث عن الديانات الأخرى. بيد أني لا أنفي ولا أؤكد وجود التطرف في الأديان والطوائف الأخرى. وليس غرضي أيضا نفي أو تأكيد وجود أجندات استخباراتية خلف أي حادثة إرهابية إسلاموية، وحتى خلف ولادة أي مكون إرهابي إسلاموي. لأن كلا السياقين بعيد كل البعد عن قضيتنا الداخلية المحورية. فنقد الأول لا يعالج إشكالياتنا، ومناقشة الثاني والاستسلام لفكرة وجود المؤامرة على الإسلام والدول العربية ما هو إلا إلهاء يبعدنا عن أصل المشكلة. لكن، لو افترضنا جدلا وتجاوزا، أن كل عمل إرهابي خلفه مخطط استخباراتي؛ فلا بد من وجود مفاتيح خاصة تُستخدم لفتح أبواب تلك الأجندة. وإحدى هذه المفاتيح "التأويلات الإرهابية للموروث الإسلامي". بالمختصر، لو لا وجود مفاتيح سهلة يستطيع استغلالها العدو لما حدث ما حدث.(2)

ولو أخذنا الحالة العراقية كمثال على الإرهاب الديني بين المذاهب، سيتضح جليا لنا تداخل الإرهاب السياسي الخارجي والداخلي مع الإرهاب الديني. وعلى الرغم أن الإمبريالية الغربية لها دور في تطور هذا الوضع الدموي، إلا أن الخلافات المذهبية والمذابح الدموية المازوشية بين الطوائف الإسلامية مع بعضها بسبب التأويلات الإرهابية عميقة وقديمة جدا. من المغالطة أن ننكر أثر العدوان الأمريكي في تفاقم الوضع، بيد أن العدوان لم يخلق هذه التأويلات المتطرفة الدموية، بل كان موجودا في كل بيت وكل عقل مسلم تقريبا. فقط كان مكبوتا بالقوة في أوقات ما. ولهذا نحن لا نريد علاجا سطحيا يدغدغ مشاعر المسلمين المهزومين معنويا وماديا قدر ما نريد علاجا يعالج أصل المشكلة، لأن إلقاء اللوم على الآخر لا يعالج المشكلة إطلاقا وستبقى ثغرة يستخدمها العدو دائما.

وكما قلت سابقا في عدة مناسبات، "الارهابي الإسلاموي مريض نفسي. الشخص الداعشي حسب التوصيف الجديد إعلاميا للإرهابي المتأسلم، أو المنتسب للإسلام كما يفضل البعض من المسلمين التوصيف؟ أرى أنه كائن مشوه بعقد نفسية جاءت نتيجة عدة عوامل مرتبطة لا يمكن فصلها عن بعض. هذه العقد تدفع بصاحبها لأخذ منحى انفعالي لاشعوري للقيام بتصرفات غير واعية باتجاه الأسباب المكونة والمولدة لتلك العقد. وأرى أن جميع التنظيمات الإسلاموية التي ظهرت بعد الصحوة الإسلاموية تشترك في المكون نفسه. جميع منابعها متشابهة التي يمكن حصرها في أربعة أسباب رئيسة: 1- استبداد حكام العرب (الاستبداد الداخلي)، 2- استبداد الغرب على الشرق (الاستبداد الخارجي)، 3- طموحات عودة الخلافة الإسلامية المقدسة المزعومة، 4- الموروث الدموي في كتب التاريخ والسنة (والقرآن حسب فهم بعض الفرق الإسلامية). وطبيعة هذه الأسباب المكونة لظاهرة داعش المتداخلة مع بعضها التي يصعب فصلها سواء على مستوى التشخيص أو العلاج."(3)


الإرهاب الثوري: هو إرهاب غير واضح المعالم لأن صاحبه ينظر إليه كعمل نضالي وثوري وأحد الأدوات التي تنطبق عليها النظرية الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، بينما يصنفه الواقع عليه الجرم، ومكافحُه بأنه عمل إجرامي وإرهابي. وبغض النظر عن الكثير من التفاصيل التي قد تكون مهمة ومفصلية، إلا أن الأهم هو المبدأ الذي لا يمكن أن يتجزأ؛ فكل عمل عنيف يُستهدف فيه المدنيون بالقتل أو التهديد بغض النظر عن فاعله وغايته وتوجهاته، هو بدون أدنى شك عمل إرهابي. وغالبا في مثل هذا النوع من الإرهاب تجد كلا الطرفين يمارسان الإرهاب ضد الآخر مبررين ذلك بغايتهم النبيلة. والأمثلة كثيرة على ذلك: أشرت سابقا على الصراع الدائر بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، كذلك ما يحدث بين الحكومة السورية والثوار بمختلف توجهاتهم وعقائدهم، وكذلك ما يحدث في ليبيا بين أطراف الصراع. وقديما ممكن أن نستدل على الثورة الفرنسية والروسية والبلشفية بعد ذلك بين الحكومات والثوار. وينطبق الحال كذلك على سبيل المثال على منظمة فدائيي أمريكا، والألوية الحمراء وجماعة بادرماينهوف.


الإرهاب العدمي: هو ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بالفرد نفسه دون وجود أجندات منظمة تدار من جهات معينة. وليس من المنطق أن يصل إنسان لهذا المستوى من التوحش والمازوشية إلا إذا كان يعاني من أمراض نفسية جاءت نتيجة عقد ما. وقد يُستخدم هذا النوع من الإرهاب في تحقيق رغبات وغايات الإرهاب الديني والسياسي والثوري، كأحد الوسائل السهلة في توظيفها لتطبيق تلك الأجندة مثل ما أشرت على سبيل المثال في توصيف الإرهاب الداعشي. ومؤخرا حدثت في أوروبا عدة حالات إرهابية فردية لأسباب مختلفة مثل ما حدث في ألمانيا المعروف إعلاميا بهجوم ميونخ الذي راح ضحيته 9 قتلى من المدنيين. وكذلك الهجومان اللذان تم تنفيذهما بالساطور في ألمانيا وراح ضحيتهما قتيلة وعدة جرحا.



واقع الإعلام
من ضمن الحادثتين اللتين ذكرتهما وتم تنفيذهما بالساطور، إحداهما قام بها شاب أفغاني طالب للجوء في ألمانيا ويبلغ من العمر 17 عاما على ركاب قطار مدنيين. ما لفت انتباهي وأنا أتصفح صحيفة "الجارديان"، التي أثق في موضوعيتها بشكل أكبر كصحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية من الصحف الكبرى الأخرى، عنوان تقرير الحادثة التي أشرت إليها وجاء كالآتي "مراهق يهاجم ركاب قطار بساطور وسكين في ألمانيا"، وذكرت بقية التفاصيل في محتوى التقرير. ما استوقفني في هذا التقرير هو تحرر السياسة التحريرية للصحيفة من التوجه العام المسيطر عليه بشكل أكبر هاجس الإرهاب الإسلاموي. كان بإمكان أن تعنون الصحيفة تقريرها كالآتي "إرهابي مسلم من أصول أفغانية يهاجم ركاب قطار في ألمانيا". هل هذا العنوان خاطئ؟ طبعا لا، لكن في المناخ الإعلامي الدولي الحالي سيعطينا مباشرة شعورا بأن الصحيفة أسيرة هاجس الإسلاموفوبيا مثل ما وقعت في هذه الإشكالية معظم الصحف والقنوات الأجنبية الكبرى الناطقة باللغة الإنجليزية. ولهذا لاحظ الكثير من متابعي هذه الصحف والقنوات تباينها وعدم موضوعيتها في طرحها لمثل هذا النوع من الأخبار متأثرة بالمناخ السياسي العام وتفسيرات الدول الكبرى لمعنى الإرهاب. فعند أي حادثة إجرامية إرهابية قام بها مسلم، تسارع هذه الوسائل الإعلامية في توصيف الحادثة بأنها عمل إرهابي ومن قام بها شخص إرهابي، حتى تطور الوضع أكثر ليأتي هذا الحكم قبل الانتهاء من التحقيقات. لكن من جهة أخرى لو قام بهذه العملية غير مسلم سيذكر الخبر بشكل هامشي ولن يعطى المقدار نفسه من التسليط الإعلامي، وسيوصف الفاعل أنه فقط مختل عقلي، ما دام غيرَ مسلم. 

بيد أنه حتى بعض القنوات والصحف العربية الكبرى لم تسلم من هذه الفوبيا لكن بشكل معاكس؛ فحاولت تجييش الشارع العربي وليس فقط للفت انتباهه للإشكالية التي ذكرتها. فوصل الحال عند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم يتم التبرؤ من الفاعل بالمطلق وأن ليس للإسلام أي صلة بالحادثة وما هي إلا نتائج الإرهاب الغربي على الإسلام والمسلمين. والمعيب جدا أن يصل الحال لدرجة الشماتة دون أي نوع من الاستنكار للفعل الإرهابي المشين. السؤال الأهم: هل سينتهي هذا النوع من الإرهاب بهذه المعالجات السطحية والساذجة؟!



واقع المتلقي
المتلقي الغربي بحكم معاشرتي له هو ضحية كغيره من المسلمين والعرب لأجندات الإعلام والسياسات الدولية. ومثل ما يوجد هناك أناس في دولنا تحرروا من هذه القبضة كذلك الحال عند المتلقي الغربي. لكن المحزن هو نسبة هؤلاء الناس الواعين المدركين للواقع مقارنة بالبقية الأخرى. لا أستطيع أن أقول إنها نسبة قليلة ولكن أيضا ليست الغالبية العظمى. واتضح لي هذا من خلال نقاشاتي وحواراتي مع العديد من الأصدقاء والمعارف من جنسيات غربية مختلفة. لكن الجميل عند معظم هؤلاء وقت محاورتهم أن مداركهم غير مسورة بمقدسات تمنعهم من التحاور بشكل سلس؛ فالحجة والبرهان هو الميزان والكفة الحاسمة في نهاية أي حوار، بخلاف ما يحدث عند حوار عربي مع عربي آخر في الغالب!

ننتقل إلى المتلقي العربي أو بالأصح صورة معينة من صور المتلقي العربي. مؤخرا ظهرت عدة أسماء في مواقع التواصل الاجتماعي عبر صفحاتها الشخصية بدأت تقدم نقدا ساخرا عبر نشر مقارنات لأحداث وقضايا وشخصيات أحدها تمثل العالم الإسلامي والعربي والأخرى في النقيض تمثل العالم الغربي المتقدم. وخلافا للعادة، هذه المقارنات تحاول أن تظهر الجانب القبيح للحضارة الغربية والجانب المشرق للعالم الإسلامي والعربي. ورغم امتعاض البعض من هذا النوع من النقد إلا أني لاحظت هناك أيضا تعاطفا وإعجابا من عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ليس بالهين. وشخصيا أراها ردة فعل صحية وأناصرها لأنها ستخلق توازنا رغم عدم موضوعيتها في طريقة تفكيك الصورة للجانب الغربي في أحيانا كثيرة، وهذا ما ينقصها. وأصفها بردة الفعل لأنها أتت كنتيجة للتقديس الأعمى للغرب وجلد للذات بشكل مفرط من قبل البعض قد يكون سببه أيضا عدم فهم وتفكيك مفهوم "الغرب". لذا تفكيك مفهوم "الغرب" الذي نعجب به كثيرا ونكرهه في ذات الوقت كثيرا، مهم جدا. لكن لماذا هذه الازدواجية في الصورة وما سببها؟! فنجد هناك ثمة من يحارب كل ما هو غربي، لأنه فقط غربي! وهل الغرب بضاعة في محل بيع بالجملة، لكي تشرتيها بالكامل أو ترفضها بالكامل؛ فهناك إمبريالية نرفضها وننددها، وهناك تكنلوجيا نحتاجها ونتعلمها، وهناك مجتمع المدني نتشارك ونتعاون معه، وهناك عادات وتقاليد يأخذ ويرفض كل فرد منها حسب قناعاته الفردانية الخاصة. 

هذا المتلقي ذاته وقع أسير هاجس الغربفوبيا؛ فعند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم تكون ردة فعله واحدة ومحددة. في البداية مباشرة سيحاول أن يبرئ الإسلام من ذلك الفعل الإرهابي المشين. ثانيا، وهي مرحلة "مؤسفة" أن يصل حال البعض لهذا المستوى من الانحطاط للأسف، أن يحاول تبرير الدم البريء بدم بريء آخر حتى دون أي نوع من الاستنكار! وكان الأوجب كمتلقٍ من هوية إسلامية، وكإنسان أولا، اتخاذ موقف أخلاقي برفض الإرهاب بكل أشكاله، بالمطلق. ومن ثم يأتي باب النقد عن طريق تشخيص المشكلة والمحاولة في تفكيكها وإيجاد الحل إن أمكن، بدل الانشغال في البحث عن المبررات؛ فالإرهاب الإسلاموي هو تراثنا الدموي، وإسلامنا السياسي، واستبداد حكامنا، وإمبريالية الغرب.

هناك مشكلة أخرى يعاني منها المتلقي العربي والمسلم، أنه عالق بين فريقين: الأول والأوسع يريد الماضي والأموات أن يحكمونا. والفريق الآخر والأقل يريد المستقبل وتهميش التراث أن يحكمنا، وبين هذا وذاك المسلمون ضائعون. ومن الأفضل والأنفع ألا نتجاوز الموروث الإسلامي وتأويلاته الإرهابية، لو أردنا تجاوز عواقبه وأضراره. يجب أن نفككه بمنهجية النقد التاريخي والفيلولوجي ونكسر التابوهات ونصهر المقدسات.

أختم مقالتي برسالة بسيطة لكن مهمة جدا للارتقاء بحسنا الإنساني: من العار أن نبرر الخطأ بخطأ آخر! ومن العار أن نبرر الدم البريء بدم بريء آخر! ومن العار أن نبرر الظلم بظلم آخر. أليس هذا هو منطق الاستبداد؟! أليس هذا هو منطق الإرهاب؟! ولأن الأخلاق مطلقة، ولأن المبادئ لا تتجزأ؛ وجب رفض الإرهاب مهما اختلف المكان، وتعددت الأسباب، وتنوعت الأهداف، وتباينت المنطلقات والآيديولوجيات، يبقى الإرهاب واحدا والنتيجة واحدة. 


....................................................

الهوامش:

1- انظر: د. لمياء الطويل، الفرق بين الجهاد والإرهاب، موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية:


2- انظر: محمد الفزاري، قراءة: داعش بين الواقعية الكوسموبوليتية والتنظير الإسلاموي اليوتوبي، مجلة مواطن، العدد 24:


3- المصدر السابق




نقلا عن مدونتي نشر المقال في صحيفة الخليج العربي